انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » نظريات التفاعل والاندماج الاجتماعي وأهميته وأنواعه

نظريات التفاعل والاندماج الاجتماعي وأهميته وأنواعه

Society6
يروي بياجيه أن البشر لا يولدون بميول اجتماعية، إنما يزداد الارتباط ويحصل الاندماج الاجتماعي تدريجياً. فالمعرفة الاجتماعية تبنى كما تبنى المعرفة في المجالات الأخرى، بالاستيعاب والتلاؤم والتوازن، فتبنى صميمة لكل ما يتفاعل مع الطفل في بيئته من خلال نشاطه وحركته.

إن التفاعلات الاجتماعية تفيد وتغذي النمو العقلي والتطور المعرفي والعاطفي والاجتماعي لدى الطفل فيقول بياجيه:

“يمثل التفاعل الاجتماعي بداية تخلي الطفل عن أنويته، ويساعده على الانتقاد الذاتي”.

في الواقع، يبدأ الطفل بالاحتكاك والتفاعل الاجتماعي مع الاخرين في السنة الثانية، وحتى في السنة الاولى أو ما قبل ذلك. فهناك المحاكاة عند الطفل التي تبدأ قبل السنة الاولى، ولكن الشيء الجديد في هذه المرحلة هو نمو اللغة عند الطفل، وهذا ما يمكنه أكثر من التدامج الاجتماعي في فعالياته المختلفة وفي أفكاره ومشاعره. ويبدأ الطفل بإقامة العلاقات مع الكبار وخاصة مع الاهل ومع أترابه، وتجدر الاشارة هنا إلى أن اعجاب الطفل بأهله يبرز بشكل واضح في هذه المرحلة، فهو يعتبرهم كائنات قوية فيها الارادة والاعجاب والجاذبية. وقد أطلق العلماء على هذا الشعور اسم “الأنا المثالية” التي تفرض ذاتها على أنا الطفل، وهذا التأثير أو التفاعل القائم له أهمية كبرى على التطور الذهني والاجتماعي والعاطفي عند الطفل.

إن السلوك الاجتماعي سلوك كتلي يتضمن ثلاث نواحي هي:

التركيب أو البناء: أي العناصر التي يتكون منها الموقف.
عملية التفاعل: أي العلاقات بين عناصر التركيب أو البناء.
المضمون أو المحتوى: أي الموضوع الذي يدور حول التفاعل بين العناصر المختلفة.

إن التفاعل الاجتماعي حول موضوعات تؤدي في النهاية إلى مجموعة من العادات والافكار والاتجاهات والميول والمعايير والاساليب التي من شأنها أن تعدل سلوك الفرد والجماعة .

تعريف التفاعل الاجتماعي

يعتبر التفاعل الاجتماعي مفهوما أساسيا واستراتيجيا في علم النفس الاجتماعي لأنه ـ وينبغي أن يكون ـ أهم عناصر العلاقات الاجتماعية. وينظر البعض إلى الجماعة على أنها وحدة شخصيات متفاعلة.

ويتضمن التفاعل الاجتماعي نوعين من التوقع (أو مجموعة توقعات) من جانب كل من المشتركين فيه. فالطفل حين يبكي يتوقع أن يستجيب أفراد الاسرة (خاصة أمه) لبكائه.

كذلك يتضمن التفاعل الاجتماعي إدراك الدور الاجتماعي وسلوك الفرد في ضوء المعايير الاجتماعية التي تحدد دوره الاجتماعي وأدوار الاخرين.

ومن أشكال التفاعل الاجتماعي التعاون والتنافس والتوافق والصراع.

ويتضمن التفاعل الاجتماعي التفاعل أو التأثير المتبادل لسلوك الافراد والجماعات الذي يتم عادة عن طريق الاتصال الذي يتضمن بدوره العديد من الرموز. وهناك علاقة بين أهداف الجماعة وما يتطلبه تحقيق تلك الاهداف من تفاعل اجتماعي ييسر وصول الجماعة إلى تحقيق أهدافها. فحيثما يتقابل عدد من الافراد وجها لوجه في جماعة يبدأ الاتصال والتفاعل بين هؤلاء الافراد. ويتم الاتصال والتفاعل عن طريق اللغة والرموز والاشارات. وتلون الثقافة التي يعيش فيها الفرد والجماعة نمط التفاعل الاجتماعي، ولهذا نكون أكثر دقة لو وضعنا في حسابنا مفهوم التفاعل الاجتماعي الثقافي socio-cultural interaction.

ويمكن تعريف التفاعل الاجتماعي بصفة عامة بأنه العملية التي يرتبط بها أعضاء الجماعة بعضهم مع بعض عقليا ودافعيا وفي الحاجات والرغبات والوسائل والغايات والمعارف وما شابه ذلك. ويمكن تعريف التفاعل الاجتماعي اجرائيا بأنه ما يحدث عندما يتصل فردان أو أكثر (ليس بالضرورة اتصالا ماديا) ويحدث نتيجة لذلك تعديل للسلوك.

ومن أهم مظاهر التفاعل الاجتماعي كما يراه علماء النفس الاجتماعي تقييم الذات والاخرين، وإعادة تقييم والتقويم المستمر.

ويلاحظ أن التأثير في التفاعل الاجتماعي يتوقف على شخصية الفرد ومكانته الاجتماعية.
ويلاحظ أيضا أن الشبكة الاجتماعية للفرد تتكون من الاشخاص الذين له معهم اتصال ورابطة اجتماعية وبينه وبينهم تفاعل اجتماعي.

وتشير نظريات التفاعل الاجتماعي إلى أهمية الحب والمودة والتعاطف والوفاق في عملية التفاعل الاجتماعي. ويعني هذا ضرورة المشاركة في القيم والميول والاهتمامات والاتجاهات. وتدل البحوث في هذا الموضوع على أن الفرد يميل إلى الانجذاب إلى اولئك الذين لديهم اتجاهات تماثل اتجاهاته.

ويتحدث ديوى وهمبر 1966 عن التفاعل الاجتماعي في إطار مرجعي يضم الفرد ـ والبيئة ـ وموضوع التفاعل. ونحن نلاحظ أن التفسير البسيط للسلوك الاجتماعي للفرد يكون صعبا بالنسبة لتداخل هذه النواحي المختلفة.

أنواع التفاعل الاجتماعي:

تشير الدراسات النفسية الحديثة بأن للتفاعل الاجتماعي عدة أنواع نذكر منها ما يلي:

(1)تفاعل بين فرد وآخر: هذا يعني أن طرفي التفاعل في هذا المجال هما فردان كل منهما يأخذ سلوك الآخر في اعتباره،وبالتالي فكل منهما يؤثر في نفسه وفي الفرد الآخر،وأن أول أنواع التفاعل الذي يدركه الإنسان هو التفاعل بين الطفل وأمه.إن التفاعل يكون في البداية من طرف واحد هو الأم،وينمو الطفل ويتسع مجاله الإدراكي ثم يبدأ في الإسهام في عملية التفاعل،ويبدأ في الاستجابة لأنماط سلوكها(أي الأم) نحوه بأساليب سلوكية تقبلها الأم،ومع نمو الطفل تتسع دائرة اتصالاته وتتعدد مواقف التفاعل بينه وبين أفراد الأسرة أولا،ثم مع أفراد من خارج محيط الأسرة،وفي كل تلك الموافق الاجتماعية يتعلم الفرد وتتسع مداركه ،وتختلف الأدوار التي يقوم بها(ابن،صديق،مرؤوس،أب،وهكذا) وبالتالي تختلف أساليب تأثيره في الآخرين.

(2)التفاعل بين الفرد والجماعة: الجماعة تكون من اثنين أو أكثر،يتفاعلان معا سواء بطريقة فعلية أو متوقعة لمدة من الزمن،يجمعهم في ذلك هدف واحد،والتفاعل الاجتماعي قد يحدث بين فرد من جهة وجماعات مختلفة من الناس من جهة أخرى. وفي هذه الحالة فإن الفرد يؤثر في الجماعة بدرجة معينة وفي الوقت ذاته،فإنه يستجيب لرد الفعل لديهم،وعلى هذا نجد أن سلوك الفرد يتشكل ويتعدل تبعا لسلوك الجماعة،كما أن سلوك الجماعة يتأثر بسلوك الفرد.

(3)التفاعل بين الجماعة والفرد: في حالة الفرد والجماعة،فإن الجماعات تكون توقعات عن أسلوب السلوك الذي ينبغي على الفرد أن يسلكه،وبالتالي،فإن الفرد حين يجابه موقف يتطلب منه تصرفا معينا،يأخذ تلك التوقعات في اعتباره،ويحاول تعديل سلوكه،وتتأثر الجماعة بالفرد،وتؤثر فيه إلى حد ما حينما ينقاد وراء زعيم ما يدعو إلى فكرة خاصة،وحينما تؤمن برسالة هذا الزعيم فتندفع وراءه لتحقيق هذه الأهداف وتلك المثل العليا.

(4)التفاعل بين الفرد والثقافة وتأثيره فيها: شمل الثقافة بمعناها الدقيق كل مقومات المجتمع من أنظمة اقتصادية وقوانين وأديان وفن وخلق وغير ذلك من المقومات، وهي في تكاملها تنحو نحو إنشاء قيم ومعايير واضحة الحدود قوية الآثار،وتؤثر تلك القيم والمعايير في سلوك الفرد وفي حياة الجماعات وتتأثر بهما،والثقافة هي محصلة التفاعل القائم بين الفرد والمجتمع والبيئة وهي ثمرة علاقة الفرد بالفرد وبالزمن وبالمكان وبالكون.

إن التفاعل بين الفرد والثقافة العامة يتم على نفس المستوى الذي يتم فيه التفاعل بينه وبين الجماعة، إذ تحدد الثقافة العامة مجموعة توقعات لما يجب أن يكون عليه سلوك الفرد،وبالتالي فإنه يعدل من سلوكه ليتفق وتلك التوقعات،وكثيرا ما يحدث انحراف عن تلك التوقعات،حيث يثور الفرد على المجتمع،ولا شك أن مثل هذه الثورات قد تنجح في بعض الأحيان،ويتمكن الفرد من تغيير عادات وتقاليد وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه،ولكن في المقابل في أغلب الأحيان،قد تنجح أساليب الضغط الاجتماعي في عقاب الفرد المنحرف وإعادته إلى موقفه الأصلي،ومن جهة أخرى،فإن الأفراد يختلفون في طرق وأساليب استجابتهم لتوقعات المجتمع،بسبب الفروق الفردية وأساليب التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها كل منهم.

خصائص التفاعل الاجتماعي:

يتميز التفاعل الاجتماعي بين الأفراد بعدة خصائص هامة،نوجزها فيما يلي:

1-يعتبر التفاعل الاجتماعي،وسيلة الاتصال الأساسية بين أفراد الجماعة، والاتصال يتم إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

2- يتميز التفاعل الاجتماعي،الذي ينشأ بين الأفراد بالتوقع،لأن الفرد عندما يقوم بأداء فعل معين داخل محيط الجماعة،فإن لهذا الفرد عدة توقعات معينة،قد يتوقع الفرد الاستجابة أو الرفض من بقية أعضاء الجماعة،لما قام به من عمل،كما يتوقع الفرد أيضا الثواب أو العقاب،ويكون توقعه مبنيا على خبرات سابقة أو على القياس لأحداث مشابهة.

3- يتميز التفاعل الاجتماعي بين أفراد الجماعة بالأداء، فأداء الفرد في الموقف الاجتماعي،هو الذي يسبب الأداء الآخر(أي رد الفعل)وبالتالي ينشأ التفاعل سواء كان هذا الأداء بسيطا أو معقدا.

4-يحدد التفاعل الاجتماعي داخل الجماعة،السلوك الفردي للأشخاص، ويحدد النمط الشخصي لكل فرد في الجماعة، وهذا يعني أن التفاعل الاجتماعي بين الأفراد،يكون نوعا من الالتزام بالنسبة لسلوك كل فرد،وعليه يمكن التنبؤ بهذا النوع من السلوك.

5- يقود التفاعل الاجتماعي بين أعضاء الجماعة،إلى تمايز تركيب الجماعة وتكوينها تكوينا نظاميا،فتفاعل الأفراد عمليا أو لفظيا،إنما يؤدي إلى ظهور الزعامات والقيادات داخل الجماعة، وبالتالي يكون هناك تمايز وتنظيم في تركيب الجماعة لتفاعل أفرادها.

6- يعطي التفاعل الاجتماعي الجماعة الصفة الكلية،بمعنى أن تصبح الجماعة،أكبر من مجموع أفردها، إذ يدخل في الحساب نوع العلاقات السائدة وكميتها ودرجة شدة هذه العلاقات الممثلة في معدل التفاعل ،والتفاعل يعتبر بدون شك مظهر الحياة داخل الجماعة.

7- يصدر التفاعل الاجتماعي بين الأفراد نتيجة لاختلاف تنظيم الطاقة في المجال الاجتماعي للجماعة،ولهذا فإن توتر هذا المجال هو أساس سلوك الأفراد واستجابتهم للأحداث القائمة، وكلما تقاربت القوى في المجال نقصت فروق الجهد،وبالتالي اقترب التفاعل الاجتماعي من حالة السكون والركود.

تلك هي أهم الخصائص التي يتميز بها التفاعل الاجتماعي،الذي يمثل الأساس الأول في نشأة العلاقات البشرية وتطورها في أي جماعة.

عمليات التفاعل الاجتماعي:

يرتبط الأفراد في المجتمع الإنساني،بعلاقات وروابط لا حصر لها،تنشأ من طبيعة اجتماعهم ومن تفاعل رغباتهم،ومن احتكاك بعضهم بالبعض الآخر،وهذا التفاعل والاحتكاك،هما عبارة عن عمليات اجتماعية تقوم بين الأفراد في المجتمع وتنطوي العملية الاجتماعيةSocial process على مجموعة من العلاقات والروابط التي يخضع لها الأفراد،فالعملية الاجتماعية إذن أوسع نطاقا من العلاقة الاجتماعية Social Relationغير أن بعض المفكرين لا يفرقون بينهما من حيث أن العلاقات هي نتيجة مباشرة للتفاعلات أو العمليات الاجتماعية، ومن هذه العمليات ما يؤدي إلى التجمع وهي التي تسمى(العمليات المجمعة-Associative process مثل التعاون والإخاء والزواج والسلام،ومنها ما يؤدي إلى التنافر والانحلال،وهي التي تسمى(العمليات المنفرة والمفككة-Dissociative Process)مثل الصراع والكراهية والطلاق والحرب.
فيما يلي استعراض لأهم العمليات الاجتماعية،واقواها شأنا في استقرار حياة المجتمع وإرساء العلاقات بين الأفراد ارساءا سليماً:

(1)التعاون Cooperation :
يعتبر التعاون عملية اجتماعية أو مظهر من مظاهر التفاعل الاجتماعي،ونمط من أنماط السلوك الإنساني ،ويعود الفضل في ترويض الأفراد عليها إلى الأسرة أولا،ثم إلى البيئة الخارجية ثانيا،لأن وحدة المصالح ووحدة الأهداف تؤدي بالأفراد إلى التعاون لتحقيق المصلحة المشتركة والخير العام،وتعبر عملية التعاون عن اشتراك شخصين أو أكثر في محاولة لتحقيق هدف مشترك،والتعاون في المجتمع الحديث،يتخذ صورا متعددة تمتد من التعاون بين الجماعة لأداء عمل بسيط إلى محاولة التعاون على الصعيد الدولي.

ويرى بعض علماء النفس،أنه بالرغم من كون التعاون عملية اجتماعية،إلا أنه يستجيب مع بعض الدوافع الفطرية الكامنة في الطبائع الإنسانية،وأن الإنسان ولو أنه مسير بدوافع المصلحة الشخصية،غير أن النظام الطبيعي يوحي إليه بتحقيق مصلحة الآخرين،وهو بصدد تحقيق مصلحته،وحيث يهدف الأفراد إلى غرض مشترك يسمى ذلك”تعاونا”.

وقد يحدث أن يؤدي كل واحد من المتعاونين عملا خاصا،يختلف عن عمل الآخر،ولكن هذه الأعمال الجزئية تتجه في مجموعها إلى تحقيق غرض واحد،وتتركز نحو موضوع مشترك يؤدي إلى التكامل.

(2)التنافس Competition :
التنافس هو عملية اجتماعية منشطة للقوى والإمكانيات الإنسانية،بشرط أن يكون في الحدود المعقولة ،أما إذا زاد عن حدوده،انقلب إلى صراع وليس تنافسا،والتنافس يتولد عادة من التعاون،لأن هذه العملية هي محل التنافس وهو عملية محببة لنفوس الأفراد في مختلف ميادين النشاط الاجتماعي لأن هذه العملية-في مظاهر الحياة الاجتماعية-تؤدي إلى إطلاق القوى الكامنة ومحاولة استغلالها في أرقى صورها ولكي يؤدي التنافس وظيفته الاجتماعية،يجب أن يكون بين طرفين متعادلين،لأن عدم تكافؤ المتنافسين،يؤدي إلى فوز الأقوى في ميدان المنافسة وانهزام الطرف الضعيف،وهذا يقلل من قوته، ويقضي على روحه المعنوية،فيخسر المجتمع بذلك عضوا نافعا ضحية المنافسة غير المشروعة.

لا بد أن نشير إلى أن الوضع الثقافي في المجتمع،هو الذي يحدد اتجاه التعاون والتنافس،وهو الذي يعين الأغراض التي يتجه إليها الأفراد،وكما كانت المجتمعات مختلفة في حدود ثقافتها،فإنها تختلف كذلك في مظاهر نشاطها التعاوني التنافسي،ولا شك بأن لكل مباراة تنافسية قواعد وتعاليم،لهذا نجد المجتمع يضع قواعد تحكم عملية التنافس بين الأفراد والجماعات في مجالات التفاعل الإنساني المختلفة،كما أن التنافس هو عامل هام من عوامل التغير والتقدم في المجتمع.

(3)الصراع Conflict :
يعتبر الصراع من أخطر العمليات الاجتماعية(أي التفاعل الاجتماعي)لأنه يعبر عن نضال القوى الاجتماعية ومقدار تصادمها،وهو يمثل المظهر المتطرف للمنافسة الحرة،فقد يحدث في كثير من الظروف،أن تخرج المنافسة عن إطارها،بأن يرمي المتنافسون في ميدان المنافسة بكل ما لديهم من إمكانيات يغالبهم في ذلك التحدي وتسيرهم الأهواء الجامحة،ويحكمهم في ذلك مبدأ”تنازع البقاء” و”البقاء للأقوى والأصلح”ولا شك أن مظاهر الصراع كثيرة،فقد يكون بين شخصين أو بين جماعتين أو طبقتين،كما يحدث بين الفلاحين والإقطاعيين،وبين طبقات العمال والرأسماليين،وقد يتسع نطاق الصراع،فيقوم بين الشعوب والدول،وقد يكون الصراع بصفة مباشرة ووجها لوجه،وقد ينمو في الخفاء ويتخذ مظاهر غير شرعية كالقتل والاغتيال،وحبك الدسائس والمؤامرات..الخ،ويقوم الصراع كذلك في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية،في السياسة واللغة والدين والمعايير الأخلاقية والفنية.

وإذا كان الصراع بين قوتين متكافئتين،فإنه ينتهي عادة إلى التعاون بينهما،وذلك لأن كل منهما يمل أو يسأم من استمرار فترة المنافسة،ولا يستطيع تحمل الخسائر التي يتعرض لها من جرائها،فتكون النتيجة تقارب في وجهتي النظر،وامكانية التوصل إلى حلول وسطى أما إذا كان الصراع بين قوتين غير متكافئتين،فإن الغلبة ستكون حليفة الأقوى والأقدر على النضال،ولن يستطيع الطرف الضعيف والأقل شأناً الاستمرار في حلبة الصراع،إذ لا بد أن تلحق به الهزيمة،وينتهي الصراع بسيادة الأقوى وخضوع الضعيف،ولعل هذه الظاهرة ملموسة بوضوح في مختلف مظاهر الصراع بين القوى غير المتكافئة سواء كان المتصارعون أفرادا أو هيئات أو جماعات و دولا أو شعوبا،ولا شك أن الصراع هو عملية اجتماعية، تؤثر على اتجاهات الإنسان ومدركاته،وتذكي فيه عدم الثقة بالآخرين مثل العدوانية،والكراهية،وكثير ما تؤدي مواقف الصراع إلى تعارض الأفراد والجماعات عن الهدف الذي يتصارعون من أجله،ويركزون جهودهم في محاولة تحطيم بعضهم البعض،وهناك عدة أساليب شائعة لحل عملية الصراع نذكر منها:

أ-إصرار الفرد على تحقيق هدفه والقضاء على منافسه
ب-الانسحاب من الموقف وتناسي الصراع
ج-اتفاق المتصارعون على حل وسط
د-تجميد الموقف على ما هو عليه

(4)التكيف Accommodation :
يعتبر التكيف عملية اجتماعية،على جانب كبير من الأهمية،ومؤداها أن يتكيف الفرد بالبيئة الطبيعية التي يعيش فيها،ويصبح عنصر منسجما مع عناصرها،فلا يشعر بوطأة نظمها ولا يضيق ذرعا بأوضاعها،بل يجب أن ترسب هذه النظم والأوضاع في تكوينه،وتصبح من أهم مقومات شخصيته،وتتولى الأسرة هذه العملية منذ نشأة الطفل،فتأخذه بألوان التربية التي تؤدي إلى تكيفه بالأنماط الثقافية التي تحيط به.

(5)التمثيل Assimilation:
تنتج عملية التمثيل عن عمليتي الصراع والتكيف،فبموجب هذه العملية تتلاشى الاختلافات،وتتوحد مواقف الأفراد،وتتحقق وحدتهم،أي أنه بمقتضاها تصبح الجماعات الغير متماثلة متماثلة،وتصبح الأغراض والأهداف والمصالح الذاتية تخص الجميع،فيشتركون جميعا في أحاسيس ومشاعر واحدة، وتجارب واحدة وتاريخ واحد،أي بمعنى أنهم يتجسدون حياة ثقافية واحدة،حيث يبدو التمثيل واضحا في المظاهر الثقافية.

ونظرا لكون التمثيل عملية اجتماعية،فإنها لا تكون مقتصرة على النواحي المتعلقة بالتراث الثقافي،بل أنها تسيطر أيضا على مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، فالزوج والزوجة(مثلا) يكونان في بداية حياتهما غير متماثلين في طباعهما وتصرفهما وسلوكهما،ولكن بعد فترة غير محددة يتم التماثل بينهما، ويتحقق بينهما التفاهم التام،وتتحد مواقفهما بصدد الأمور التي تروق لهما،وإذا تعذر تحقق التمثيل بينهما،فإنه من المتعذر أن تقوم بينهما حياة زوجية مستقرة.

نظريات التفاعل الاجتماعي

نظرية بيلز (Bales 1950):

حاول فيها دراسة مراحل وأنماط التفاعل الاجتماعي وحدد بيلز في كتابة “تحليل عملية التفاعل” المراحل والانماط وتكلم عن عملية التفاعل الإجتماعي على ضوء نتائج دراسته وملاحظته حولها. وبحث بيلز كان حول موضوع أو مشكلة، يريد أعضاء الجماعة الوصول إلى حلها مع الاشارة إلى أن للمشكلة عدة حلول وعدة خطوات يمكن القيام بها للوصول إلى الحل وأدت هذه الدراسة إلى تقديم نموذجاً لتحليل عملية التفاعل الاجتماعي. يعتبر من أهم اساليب البحث في ديناميات الجماعة. لاحظ بيلز التفاعل الاجتماعي للجماعة عينة البحث من خلال مرآة يرى بها من جانب واحد.

تقسيم بيلز لمراحل التفاعل الاجتماعي حسب الترتيب التالي:

أ‌) التعرف: أي تعريف مشترك للموقف ويشمل على:
طلب معلومات وتعليمات والايضاح والتكرار والتأكيد “ماهي المشكلة، هدف الاجتماع، الاشياء المتوقعة”.
اعطاء المعلومات والتعليمات والايضاح والتكرار أي تحديد المشكلة.
ب‌) التقييم: إيجاد نظام مشترك لتقييم الحلول المقدمة ويشمل:
طلب الرأي والتقييم والتحليل والتعبير عن المشاعر والرغبات (شعورهم نحو المشكلة، أهمية المشكلة، العمل تجاه المشكلة…)
إعطاء الرأي والتحليل والتقييم والتعبير عن المشاعر والرغبات.
ج) الضبط: أي تأثير أفراد الجماعة بعضهم ببعض ويشمل:
طلب الاقتراحات والتوجيه والطرق الممكنة للعمل والحل (ما المطلوب عمله بالضبط).
تقديم الاقتراحات والتوجيهات التي تساعد على الوصول للحل (أي ما يجب عمله..)
د) اتخاذ القرارات : أي الوصول إلى قرار نهائي ويشمل:
عدم الموافقة والرفض والتمسك بالشكليات وعدم المساعدة.
الموافقة وإظهار القبول والفهم والطاعة.
هـ) ضبط التوتر: أي معالجة التوترات التي تنشأ في الجماعة وتشمل:
اظهار التوتر والانسحاب من اجتماع المناقشة.
تخفيف التوتر وإدخال السرور والمرح.
و) التكامل: أي محاولة المحافظة على تكامل الجماعة ويشمل:
إظهار التفكك والعدوان وتأكيد الذات أو الدفاع عنها والانتقاص من قدر الاخرين.
اظهار التماسك وتقديم العون والمساعدة والمكافأة ورفع مكانة الاخرين.

وبعد ذلك قسم بيلز أنماط التفاعل الاجتماعي كما يلي:

1-التفاعل الاجتماعي المحايد/ الاسئلة: وهي عبارة عن الاسئلة الاستفهامية وطلب المعلومات والاقتراحات التي تظهر في أول بنود كل من مرحلة أ ـ ب ـ ج، ويضم هذا النمط 7% من السلوك تقريباً.

2-التفاعل الاجتماعي المحايد/ الإجابات: وهو عبارة عن الإجابات وإعطاء الرأي وتقديم الايضاحات والتفسيرات الموجودة في البنود الثانية من مرحلة أ ـ ب ـ ج، ويضم هذا النمط حوالي 56% من السلوك.



3- التفاعل الاجتماعي الانفعالي السلبي: وهوعبارة عن الاستجابات السلبية والتعبيرات التي تدل على عدم الموافقة والتوتر والتفكك والانسحاب والموجودة في أول بنود د ـ هـ ـ و، ويضم هذا النمط 12% من السلوك تقريباً.

4-التفاعل الاجتماعي الانفعالي الايجابي: وهو عبارة عن الاستجابات الايجابية وتقديم المساعدة وتشجيع الافراد الاخرين وإدخال روح المرح للقضاء على التوتر. هؤلاء يميلون إلى الموافقة مع الاخرين وتوطيد التماسك بينهم وهذه موجودة في البنود الثانية من د ـ هـ ـ و، ويدخل في هذا النمط 25% تقريبا من السلوك.

ان عملية التفاعل عملية حركية،بمعنى أنها تجعل أحد أطرافها يؤثر على السلوك الآخر،وتجعل هذا الأخير يؤثر بالتالي على تصرف الطرف الأول،وهكذا تستمر عمليات التأثر والتأثير المتبادل،طالما استمر الموقف الاجتماعي الذي يجمعها.

عن الكاتب

الأردن

كاتب علمي متخصص في تكنولوجيا الصناعات الكيماوية عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين @amjad

عدد المقالات : 3367

تعليقات (3)

اكتب تعليق

© 2018 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى