انت هنا : الرئيسية » التربية والثقافة » مقاربة بين الدماغ البشري وعمل برامج الكمبيوتر

مقاربة بين الدماغ البشري وعمل برامج الكمبيوتر

data-brain
يتناول البحث التالي مقاربة دقيقة ما بين الدماغ البشري المعجز بخصائصه ومميزاته وعمله وبرامج الكمبيوتر التي تتبع نمطا تسلسليا في تأدية المهام التي تطلب منها.

البحث التالي للمهندس مصطفى حامد جاد الكريم متميز في طرحه لهذا الموضوع الهام والمعقد، والذي عنونه الكاتب هل يمكن تفسير السلوك على أنه نتيجة لبرامج مخزنة بالمخ؟

الفصل الأول

ما هو برنامج الكمبيوتر ؟

انه يتكون من مجموعة من التعليمات المتعاقبة التي يؤدى السابق منها إلى التالي ولها بداية ونهاية وتتكرر نتائج البرنامج كلما شغلناه وللفرد أيضا ردود أفعال شبه ثابتة إزاء المواقف المتكررة .
وبرنامج الكمبيوتر له مدخلات INPUTS ومخرجات OUTPUTS ، وكذلك برنامج السلوك .
فمدخلاته هي ما يسميه علم النفس بالمثير ومخرجاته هي ما يسميه علم النفس بالاستجابة.
ففكرة البرنامج السلوكي لا تتناقض مع فكرة مثير – استجابة .. لكنها تقترح أن نضع بينهما البرنامج السلوكي الذي يشبه برنامج الكمبيوتر .
لكن مدخلات البرنامج السلوكي ليست فقط المثير المباشر لكنها تشمل كل ما يدركه الإنسان حوله في هذه اللحظة وكل ما يتذكره من خبرات .
والاستجابة تكون عادة مجموعة من الحركات المتتالية و التي لا يمكن تصور تكرارها إلا إذا كانت مخزنة ويتم استدعاؤها عند الحاجة .
و إذا نظرنا إلى برنامج الكمبيوتر فإننا نجد أنه يمكن أن يشتمل على أربعة أساليب برمجية :
– 1 أسلوب التوالي Sequential
ومثاله فى الكمبيوتر (سوف يتم كتابة الأمثلة بلغة BASIC )
10 x=10
20 y=20
30 z=x+y
فلا يمكن تحديد قيمة Z إلا إذا حددنا قيمة X و Y . وتتحدد قيمة Z من خلال علاقة رياضية محددة في الخطوة 30 .
ومثاله في السلوك :
-1 يضغط السائق على دواسة البنزين
-2 تزيد سرعة السيارة .
فلا يمكن أن تزيد سرعة السيارة إلا إذا ضغط السائق على دواسة البنزين . فالسرعة تتوقف على شدة ضغط دواسة البنزين وتربط بينهما علاقة ميكانيكية ثابتة

-2 الأسلوب الشَّرْطي Conditional
ومثاله في الكمبيوتر
10 IF X = 3 THEN Y=10 ELSE Y=100
وهنا تتوقف قيمة Y على تحقق شرط معين هو قيمة X وليس على علاقة منطقية محددة .

ومثاله في السلوك :
– إذا نجحت هذا العام سأحضر لك هدية وان لم تنجح سأحرمك من المصروف .
ففي هذا المثال فإن الهدية أو الحرمان من المصروف يترتبان على تحقق شرط معين من عدمه ، وهذا الشرط ليس مرتبطا بهما ارتباطا مباشرا حتميا . فيمكن أن يحصل هذا الشخص على هدية في عيد ميلاده مثلا ، لكن السيارة في المثال السابق لن تزيد سرعتها إلا إذا ضغطنا على دواسة البنزين .
-3 أسلوب التكرار : Looping
ومثاله في الكمبيوتر :

10 FOR I = 1 TO 10
20 PRINT “Good Morning”
30 NEXT
وهذا البرنامج سوف يطبع عبارة “Good Morning” عشر مرات
ومثاله في السلوك :
– كرر بيت الشعر عشر مرات لتحفظه .
ودائما التكرار مرتبط بشرط و إلا استمر إلى مالا نهاية . والشرط هنا هو بلوغ عدد مرات التكرار عشر مرات .

– 4 أسلوب البرنامج الفرعي : Subroutine
والبرنامج الفرعي في الكمبيوتر يؤدى عملية معينة تتكرر الحاجة إليها ولذا يتم تخزينها في برنامج فرعى ويتم استدعاؤها عند الحاجة بدلا من تكرار كتابته في كل مرة ومثاله في السلوك تعلم قيادة السيارة . فأثناء تعلم القيادة نكون كأننا نكتب البرنامج الفرعى للقيادة ونخزنه فى المخ ثم نستدعيه كلما جلسنا أمام عجلة القيادة.
فأساليب برامج الكمبيوتر مطبقة كما رأينا فى برامج السلوك .
و إذا رجعنا إلي البرنامج البسيط
10 X = 3
20 Y = 4
30 Z = Y + X
فإننا نجد أن كل خطوة من هذه الخطوات تمثل عملية عقلية . إذن فبرنامج الكمبيوتر ما هو إلا تسجيل للعمليات العقلية . والكمبيوتر حين ينفذ البرنامج فهو فى حقيقة الأمر ينفذ هذه العمليات العقلية بنفس الأسلوب الذى ينفذ به المخ مثل هذه العمليات .
فبرنامج الكمبيوتر تقليد للمخ . ولذا ليس من العجيب أن نعود فنقول أن المخ يعمل بأسلوب الكمبيوتر .
والسلوك منتج من منتجات عمل المخ ولذا من الطبيعى أن يتم إنتاج السلوك بنفس الطريقة.
وبرامج الكمبيوتر الخاصة بالذكاء الاصطناعى تحاول أن تضيف إلى الكمبيوتر قدرات مثل الإدراك والتعلم . فهى هنا تقلد السلوك . ولذا مرة أخرى ليس من الغريب أن نقول أن السلوك يتم بنفس الأسلوب .
فالفعل المنعكس الشرطى مثلا هو تماما برنامج كمبيوتر مكتوب بالأسلوب الشرطى
اللعاب THEN الجرس OR الطعام IF

لكن من يكتب هذه البرامج داخل المخ ؟

إن الكلب لم يولد ببرنامج الطعام / الجرس .
لكن يمكن أن نقول أنه ولد ببرنامج إشرافي له قدرة على كتابة البرامج السلوكية وتخزينها فى المخ وتشغيلها عند الحاجة .
والكمبيوتر له نوعان من الذاكرة:
النوع الأول
Read Only Memory (ROM)
وهذه الذاكرة بها البرامج الأساسية لتشغيل الكمبيوتر ولا يتعامل معها مستخدم الكمبيوتر ولا تمسح بإطفاء الجهاز
والنوع الثاني
Random Access Memory (RAM)
وهى الذاكرة التى يتعامل معها المستخدم فيضع فيها بياناته أثناء العمل وهذه الذاكرة تمسح عند إطفاء الجهاز .
وللكمبيوتر وسائل تخزين للبيانات هى الأقراص Disks يمكن أن تخزن عليها وتستدعى منها البيانات والبرامج .
ويمكن تصور أن المخ به تقسيمات مشابهة وأن ال ROM الخاصة بالمخ توجد بها البرامج الإشرافية التى يولد بها الإنسان أو الحيوان .
وفكرة برامج السلوك تحتاج منا أن ننظر إلى السلوك على أنه مجموعة من الحركات الدقيقة المتعاقبة التى تشكل الأداء السلوكى الذى نلاحظه .
كما تحتاج أن ننتبه إلى أن هذه البرامج يتم كتابتها وتخزينها واستدعاؤها بعيدا عن تدخل ما نسميه الوعى أو العقل الواعى .
فالنشاط البرامجى نشاط لا شعورى أو لعله هو ما يسميه علماء النفس اللاشعور .فالوعى هو قشرة إدراكية سلوكية قد يكون محتواها هو نفسه نتيجة من نتائج تشغيل برامج السلوك. والدليل على ذلك ما اكتشفه علماء النفس من أن الإنسان قد يصدق الفكرة التى تريحه نفسيا . فالتصديق هنا عملية عقلية واعية يعتقد الوعى من خلالها أن فكرة ما صحيحة . لكن هذا الاعتقاد قد يكون زائفا ولا يدرك الوعى هذا الزيف . ولذا يمكن أن نتصور أن عملية التصديق وعملية عدم إدراك الزيف هى قرار تم اتخاذه داخليا نتيجة عمل برنامج سلوكى داخل المخ . و الوعى هنا يشبه شاشة الكمبيوتر التى قد تظهر عليها نتائج عمل البرنامج بغير أن يظهر البرنامج نفسه .

وهناك سؤال :
إن برامج الكمبيوتر تحقق أهداف المبرمج . فما هى أهداف برامج السلوك ؟

إن هدفها هو مصلحة صاحبها فالبرامج الإشرافية التى يولد المخ بها لها هدف واحد هو حماية مصالح صاحبها . إذن فهذه البرامج هى رحمة من الخالق
لكن ما هو الجزء من المخ الذى يكتب الآن هذا الكلام ؟ لعله الجزء الأعلى فى البرامج الإشرافية وهو البرامج التحليلية التى تحلل كل شئ حتى نفسها ‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وعندما تعمل هذه البرامج فان نتائج عملها تظهر على شاشة الوعى ، فيرى صاحبها فى هذه الحالة أعمق مما يرى غيره ، ويصبح كمستخدم الكمبيوتر الذى له بعض الدراية بالبرمجة .
لكن ما هى المصالح التى تحاول هذه البرامج تحقيقها ؟ يمكن أن نقول أن هذه المصالح قد تتمثل فى الغرائز والدوافع المعروفة فى علم النفس .
ويمكن أن نتصور أن الأمراض النفسية هى نفسها برامج طوارئ يتم تشغيلها عندما تعجز البرامج السلوكية العادية عن تحقيق الرضا لصاحبها .

ويمكن تقسيم برامج السلوك إلي أنواع مثل :
-1 برامج التقليد :
وهذه البرامج تجعل الشخص يقلد الأشخاص المحيطين به ولعلها أول برامج يتم كتابتها . ومن خلالها يتعلم الطفل المشى والكلام والعادات السائدة .
-2 برامج خبرات السرور: وهى تمكن صاحبها من استعادة السرور كلما سنحت الفرصة.
-3 برامج خبرات الألم: وهى تمكن صاحبها من تجنب الألم بقدر الإمكان.
4 – برامج التوافق الاجتماعى: وهى تجعل صاحبها مقبولا من المجتمع.
5 – برامج المثل العليا:
وهى تجعل صاحبها يتجه إلى تحقيق أهداف عامة لها نفع غير مباشر مثل تجنب السرقة الذى قد يحرمك من الاستفادة مما يمكنك سرقته لكنة سيؤدى إلى صلاح المجتمع وهذا سيعود بالنفع عليك.
– 6 برامج الدفاع النفسى: مثل السخرية من الآخرين.
– 7 برامج التكيف المرضى وهى ما نعرفه بالأمراض النفسية. فلعلها برامج طوارئ تعد خط الدفاع الأخير لحماية الإنسان من عجزه عن التكيف .
– 8 البرامج الثابتة:
وهى برامج سلوكية يولد بها المخ وهى شبه ثابتة لدى كل أفراد النوع. ومنها برامج الإرضاء الغريزى. لكن هذه البرامج الثابتة يمكن أن يتم إدخال بعض التعديلات عليها طبقا لبيئة وظروف كل فرد .
-9 البرامج الفرعية:
وهى برامج تخزن فيها خبرات متكاملة معينة ويتم استدعاؤها كلما دعت الحاجة مثل برنامج قيادة السيارة أو الكتابة على الآلة الكاتبة أو عزف آلة موسيقية.
-10 برامج التقاليد الاجتماعية:
وعندما تكون التقاليد الاجتماعية مستقرة فان برنامج التقاليد الاجتماعية يتم كتابته بأسلوب تقليد الآخرين. أما عند نشأة أو تطور التقاليد الاجتماعية فان هذا البرنامج يتم كتابته تقريبا فى نفس الوقت عند كل أفراد المجتمع استجابة لتغيير الظروف العامة للمجتمع . والتقاليد هدفها مصلحة المجتمع بينما البرامج السلوكية الأخرى هدفها مصلحة الفرد مباشرة .

-11 برامج إدارة الحياة:
وهى برامج النضج. ومن خلالها يدير الإنسان شئونه المختلفة بعد أن يكون قد جمع معلومات تمكنه من ذلك .
-12 برامج الإبداع:
ولعلها أكثر البرامج السلوكية إثارة للحيرة, لان نتائجها غير كامنة بصورة واضحة فى مقدماتها. فلا هى تعتمد على التقليد أو على الخبرات السابقة أو على الاستنتاج المنطقى .وحتى إذا قلنا أنها إعادة توليف لعناصر سبق إدراكها ، فما مصدر هذا التوليف ؟ لو كان مصدره مثلا نظرية الاحتمالات لوجب على المخ تجربة آلاف وربما ملايين احتمالات التوليف حتى يصل إلى التوليف النهائي ‍! لكن لم لا ؟ ربما كان المخ يطبق عند الإبداع نظرية الاحتمالات فالمخ يعمل بسرعة فائقة . ولعل سرعة عمل مخ المبدع تفوق سرعة مخ الناس العاديين. ربما !!
-13 برامج الضحك:
وهى نوعان: الأول هو برامج إثارة الضحك و الثانى هو برامج الاستجابة لإثارة الضحك.والنوع الثانى موجود لدى الناس جميعا تقريبا. أما النوع الأول فموجود لدى الظرفاء فقط. وبرامج إثارة الضحك هى برامج فى غاية الدقة فانك إذا تأملت شخصا وهو يلقى نكتة فان أقل زيادة أو نقص فى كلماته أو حركاته سوف يفسد النكتة فورا !

وهكذا فكما أن الكمبيوتر بدأ بتقليد المخ . فلعل صورة المخ قد تصبح أوضح إذا قارنا عمله بعمل مقلده …… النشيط …… الكمبيوتر .

الفصل الثانى
برامج السلوك

أوردنا فى الفصل السابق قرائن تجيز لنا أن نفترض أن المخ يعمل بطريقة تشبه طريقة عمل الكمبيوتر .
وافترضنا أن برامج المخ تتدرج كالتالى :
-1 البرامج التحليلية : التى تحلل كل شئ حتى نفسها وتظهر نتائج تحليلها على شاشة الوعى .
-2 البرامج الإشرافية: وهى البرامج التى تشرف على كتابة البرامج التنفيذية وهى تشبه ذاكرة القراءة فقط
Read Only Memory (ROM)
فى الكمبيوتر و التى توجد بها البرامج الأساسية التى تشغل الكمبيوتر ولا يتعامل معها مستخدم الكمبيوتر ولا تمحى بإطفاء الكمبيوتر.
-3 البرامج التنفيذية: وهى التى ينتج عن تشغيلها تنفيذ السلوك الداخلى و الخارجى للإنسان.
ولنحاول معا تصور كيف تعمل البرامج الإشرافية .
إن هذه البرامج قبل أن تعمل تقوم بعدة عمليات رصد :
1- رصد غرائز ودوافع صاحبها و التى تمثل مصلحته .
2- رصد الواقع الخارجى المحيط بصاحبها.
3- رصد قدرات صاحبها على التأثير على ذلك الواقع الخارجى .
وبعد عملية الرصد تتخذ البرامج الإشرافية قرارا مثل :
1- تشغيل برنامج تنفيذي مخزن فعلا لديها ومن خلال هذا البرنامج يقوم الشخص بالتأثير على الواقع بحيث يتغير هذا الواقع ليحقق له مصلحته .
2- إنشاء برنامج تنفيذى جديد للتعامل مع الواقع حيث أن البرامج المخزنة لا يصلح أحدها للتعامل مع هذا الواقع

ونشاط إنشاء البرامج التنفيذية الجديدة يكون كثيفا فى مرحلة الطفولة ويقل هذا النشاط تدريجيا حتى يكاد ينعدم مع النضج حيث تكون البرامج الإشرافية قد أنشأت برامج تنفيذية متنوعة متكاملة كافيه للتعامل مع كل ظروف الواقع المحيط بالإنسان .
ويقتصر دور البرامج الإشرافية عندئذ على تشغيل البرامج التنفيذية أو تعديلها أو تحسينها لتقترب من الكمال والكمال فى نظر البرامج الإشرافية هو سعادة صاحبها .
وعندما تقرر البرامج الإشرافية تنفيذ برنامج تنفيذى فإنها تقوم بالتالى :
1- إعداد تصور ابتدائي للسلوك كما سيتم تنفيذه . ويمكننا ملاحظة ذلك إذا هممنا مثلا بالقيام لفتح الباب فلو أننا ركزنا انتباهنا لوجدنا أن تصور عملية النهوض وفتح الباب يظهر أمام الوعى قبل النهوض الفعلى لكن ذلك يتم بسرعة شديدة جدا بحيث لا نلاحظه عادة .
2- إيجاد حماس انفعالي مناسب للقيام بذلك السلوك. وهذا الانفعال يشبه الشحم الذى يسهل حركة التروس .
3- استثارة الطاقة اللازمة للأداء وهذا يشبه الوقود اللازم لحركة السيارة
ولنأخذ مثلا برنامج قيادة السيارة ولنحاول أن نتخيل “نص” هذا البرنامج كما تسجله البرامج الإشرافية:
1- أدر مفتاح السيارة.
2- اضغط على دواسة الدبرياج بقدمك.
3- أضغط على دواسة البنزين ببطء مع رفع قدمك من على دواسة الدبرياج .
تعليق ” سوف تتحرك السيارة “
4- أمسك بعجلة القيادة وانظر إلى الطريق .
5- إذا وجدت عقبة فاضغط على الفرامل.
تعليق ” سوف تقف السيارة “
6- إذا زالت العقبة اذهب إلي الخطوة (2)
والشخص المعتاد على كتابة برامج بلغة من لغات الكمبيوتر مثل Basic لن يجد فرقا بين هذه الخطوات و أى برنامج يكتبه للكمبيوتر .
لكن ما دور الوعى فى هذه العملية ؟
إن الوعى يشبه شاشة الكمبيوتر التى تقوم بالتالى :-
1- قد يظهر عليها نص البرنامج .
2- قد تظهر عليها نتائج تنفيذ البرنامج.
3- قد تظهر عليها البيانات أثناء إدخال هذه البيانات الى البرنامج من خلال لوحة المفاتيح keyboard لكن الشاشة لا تقوم بتصميم البرنامج ولا تخزينه ولا تشغيله كذلك الوعى هو مجرد واجهة للعمل العقلى.

ولننتقل إلى مثل أخر هو برنامج الفعل المنعكس الشرطى .
إن البرنامج الأصلي عند الكلب هو :
10 IF (الطعام) THEN (اللعاب)
و بافلوف قام بدق الجرس عند تقديم الطعام أى أن البرامج الإشرافية للكلب سجلت صوت الجرس أثناء رصدها للطعام .
والارتباط الشرطى لا يتم من أول مرة بل بالتكرار وهذا معناه أن البرامج الإشرافية تقوم بتعديل البرامج التنفيذية بعد دراسة الواقع المصاحب لتنفيذ هذه البرامج دراسة كافية .
ولو أننا كررنا دق الجرس بدون طعام فسوف يزول الارتباط الشرطى أى أن البرامج الإشرافية ستعود وتحذف التعديل الذى أجرته على البرنامج التنفيذى .
إذن فالبرامج الإشرافية تعمل وفق تكنيكات برمجية معينه ويمكن أن يكون من هذه التكنيكات :
1- تقليد الأشخاص المحيطين.
2- تنفيذ ما توحى به الغرائز.
3- الارتباط الشرطى.
4- محاولة تحقيق أهداف مثل:
– تجنب خبرات الألم.
– استعادة خبرات السرور.
– كسب احترام الآخرين.
– التفوق على الآخرين.
– صد هجوم الآخرين.
– اكتساب القوة.
– المحافظة على كرامة الشخص.

ولنأخذ مثالا لبرامج التقاليد الاجتماعية .
لقد اشتهر البدو بالكرم ويمكن أن نعزو هذا الى توقع البدوى لظروف شاقة فى تجواله بالصحراء بحيث قد يجد نفسه بلا طعام ولا ماء وحينئذ قد يقابل خيمة لبدوى آخر فيتمنى أن يكون ذلك البدوى كريما فيستضيفه و يطعمه ولعل هذا التمنى المبنى على الاحتياج هو مصدر تبجيله الشديد لصفة الكرم .
فالبرامج الإشرافية هنا تحلل الظروف الاجتماعية واحتياجات الشخص فى ظل هذه الظروف وكيفية تحقيق هذه الاحتياجات من خلال تلك الظروف ثم تصمم برنامجا جماعيا لتبجيل وممارسة التقليد الاجتماعى المناسب (الكرم هنا) . وقد يبدأ الأمر بشخص أو أكثر ثم يأخذ هؤلاء الرواد بالدعوة – ربما بالقدوة أو بالمدح أو بالنصيحة- لهذا التقليد فتستجيب البرامج الإشرافية لدى الآخرين بالتدريج حتى يعم التقليد الجماعة كلها .
ونلاحظ هنا أن البرامج الإشرافية تستعين بالبرامج التحليلية لكن بعيدا عن شاشة الوعى التى يظهر عليها القرار النهائى المطلوب تنفيذه أو البرنامج الجماعى بعد تصحيحه.
وقد نستغرب هذه الفكرة ” إذ كيف تنبع التقاليد من داخلنا ؟” إنها فى نظرنا قواعد عامة موروثة!
لكن التقاليد تختلف من بيئة الى أخرى .
والتقاليد لم ينزل بها وحى من السماء .
فمن أين جاءت ؟
ليس هناك من مصدر آخر لها غير عقولنا !
نعم إنها بعد أن تنشأ تنتشر بين الأجيال الجديدة بتقليد الأجيال القديمة لكن حتى فى الأجيال الجديدة فإنه لو تغيرت البيئة فإن التقاليد سيطرأ عليها تغيير ، فمن أين يأتى هذا التغيير ؟ ..
ليس له من مصدر كما قلنا غير عقولنا !
تلك العقول التى تعمل بلا هوادة بعيدا عن شاشة الوعى سعيا لتحقيق السعادة لنا كأفراد وكأعضاء فى الجماعة !
ولنأخذ هدفا من الأهداف التى تحاول البرامج الإشرافية تحقيقها وهو هدف “القوة”.
ولقد أوسع نبتشه هذا الهدف دراسة وتحليلا و اعتبره الهدف الخفى الحقيقى الوحيد لكل أنواع سلوك الإنسان . حتى أنه رآه يكمن خلف الحب نفسه حيث قال أن الحبيب يسعى للتربع داخل قلب حبيبه ليستولى على قوته .
وإذا رأى البعض أن نيتشه بالغ فى رؤية طلب القوة وراء كل سلوك إلا أنه بالقطع قد وقع على كشف جديد هام فى مجال السلوك حين كشف الستار عن ذلك الهدف الخفى المستتر وهو “القوة” .
لكن ما هى عناصر القوة التى قد تضع البرامج الإشرافية برامج تنفيذية لتحقيقها ؟
لعلها مثل :
1 – القوة البدنية (خاصة فى الرجل).
2 – الجمال (خاصة فى المرأة).
3 – الذكاء.
4 – العلم.
5 – المال.
6- المنصب.
7- التفوق.
8-أن يكون المرء محبوبا من الآخرين.
9- أن يحتاج الآخرون إلينا.

ونلاحظ أن القوة التى يحاول الشخص امتلاكها إنما يسعى إلى امتلاكها ليكون قويا بالنسبة للآخرين . فلو تصورنا شخصا ما يعيش وحده تماما فلا معنى لأن يكون قويا .
إذن فالهدف ليس هو أن نمتلك “القوة” أى قوة .. لكن الهدف هو أن نكون “أقوى” !!

والآن فلنأخذ مثالا من مجال مختلف تماما وهو مجال الطب النفسى .. فهناك نوع من العلاج النفسى يعرف باسم ” الإيحاء الذاتى” وفى هذا العلاج يكرر المريض عبارات معينة مثل “أنا اليوم أفضل” أو “أنا أحب الناس ” فيؤدى هذا إلى تحسن أحواله النفسية
ويمكن أن نعتبر هذه العبارات كلمات مفتاح keywords تقوم باستدعاء برامج تنفيذية معينة تعمل عند الأسوياء وعندما يتم استدعاؤها بهذه الطريقة تحل محل برامج المرض النفسى التى تكون قد سيطرت على سلوك الشخص المريض .
ويمكن للشخص السوى أن يجرب مثل هذا الأسلوب فى حياته الطبيعية فمثلا عندما يتوتر يكرر كلمة “الاسترخاء” أو “الهدوء”
فتقوم هذه الكلمة المفتاح keywords باستدعاء البرنامج التنفيذى الخاص بالاسترخاء فيقل توتر الشخص .

ولننظر الآن إلى نوعية أخرى من البرامج التنفيذية هى برامج اكتساب الاحترام أو برامج الاعتداد بالنفس فكل شخص يعتد بنفسه بصورة ما لكن نفس الشخص قد يقبل أشياء فى موقف ولا يقبلها هى نفسها فى موقف أخر .
فالموظف مثلا قد يقبل أن ينهره رئيسه لكنه لا يقبل أن ينهره مرءوسه .
ومعنى هذا أن البرامج الإشرافية تشغل أمام الرئيس برنامجا للاعتداد لكنها أمام المرءوس تشغل برنامجا للاعتداد مختلفا عن البرنامج الأول . فنحن هنا أمام حسابات دقيقة للظروف الخارجية وصياغة دقيقة للبرنامج السلوكى التنفيذى المناسب .

وإذا انتقلنا إلى برامج تنفيذية من لون أخر هى برامج استيعاب المعلومات فإننا نجد أن استيعاب المعلومة قد يعنى :
1-حفظ المعلومة عن ظهر قلب .
2-حفظ مكان وجود المعلومة
3-حفظ طريقة استنتاج المعلومة من معلومات أخرى وهو ما نسميه الفهم .
فإذا لم يكن الشخص يحفظ المعلومة ولا يحفظ مكان وجودها ولا يحفظ طريقة استنتاجها فلا يمكننا أن نقول أنه يعرف شيئا عن هذه المعلومة . والبرامج الإشرافية تضع كل هذه الأهداف أو بعضها نصب أعينها حين تصمم برامج تنفيذية لاستيعاب المعلومات . وهذه البرامج تختلف من شخص إلى آخر فالبعض يتجه إلي الحفظ عن ظهر قلب والبعض يتجه إلى التلخيص كأنه يحفظ فقط كلمات مفتاح keywords تستدعى باقى المعلومات والبعض لا يحفظ إلا إذا فهم فتجده يجهد نفسه فى الفهم ولا يطمئن إلا إذا فهم .

والآن …. ماذا فعلنا فى السطور السابقة ؟

لقد تجولنا فى كمبيوتر المخ .. محاولين الاقتراب من بعض أسرار صناعة البرامج السلوكية التى تتم داخله ..
و التى لا نرى على شاشة الوعى .. إلا نتائجها .. فهل اقتربنا ؟
كلا بالطبع .. فما زال الطريق طويلا لسبر غور تلك البرامج العجيبة ..التى أبدعها الخالق داخل عقولنا .. لتحقق لنا السعادة .. ولتحمينا حتى من أنفسنا !

الفصل الثالث
تطبيقات

عرضنا فى الفصل الأول قرائن قد تتيح لنا أن نفرض إمكانية أن يكون السلوك راجعاً إلى تشغيل برامج فى المخ تشبه برامج الكمبيوتر التى نعرفها.
وعرضنا فى الفصل الثانى بعض تطبيقات تفصيلية لهذه الفكرة على بعض أنواع السلوك الفردى و الجماعى .
وفى هذا الفصل نود أن نحاول النظر إلى بعض من أهم النظريات المعروفة فى علم النفس من وجهة النظر الكمبيوترية .. إذا جاز التعبير !!
ولنتذكر معا كيف قسمت الرؤية الكمبيوترية نشاط المخ :
1 – البرامج التحليلية : التى تحلل كل شئ حتى نفسها .
2 – البرامج الإشرافية : التى تقوم بتصميم وتشغيل البرامج السلوكية التنفيذية .
3 – البرامج السلوكية التنفيذية : وهى التى يكون السلوك النتيجة الظاهرة لتشغيلها.
وقلنا أن كل هذه البرامج تعمل بعيداً عن الوعى و أن الوعى هو واجهة العمل العقلى وأنه يشبه شاشة الكمبيوتر التى تظهر عليها نتائج تشغيل البرامج.
وكذلك قلنا أن البرامج الإشرافية عندما تعمل تبدأ بعمليات رصد لما يلى :
1 – الميول الغرائزية للإنسان التى تمثل مصالحه.
2 – الظروف الواقعية المحيطة بالإنسان.
3 – قدرات الإنسان.
ثم تقوم بتصميم البرامج التنفيذية المناسبة لتحقيق مصالح صاحبها.

هذا هو مجمل النظرة الكمبيوترية للسلوك ولنحاول فيما يلى إعادة فهم بعض النظريات الشهيرة فى علم النفس من خلال تلك النظرة الكمبيوترية ! ولنبدأ بأشهر تلك النظريات وهى نظرية ” التحليل النفسى ” لصاحبها العبقري سيجموند فرويد.
تقسم هذه النظرية النفس الى ثلاثة كيانات :
1 – الهو : ويتألف من الميول الغرائزية.
2 – الأنا : وهو يسيطر على الحركات الإرادية ويقمع الغرائز التى لا تسمح الظروف الواقعية بإشباعها ويحقق التكيف مع الواقع بحثاً عن السرور وتجنباً للألم.
3 – الأنا العليا : وهو يمثل المثل العليا والأخلاق ومصدره تأثير الوالدين وتقاليد المجتمع والمعلمين والشخصيات البارزة فى الحياة العامة.
ولنقارن الآن الرؤيتين معاً .. رؤية التحليل النفسى والرؤية الكمبيوترية :
1 – أما ” الهو ” أو الغرائز فلن يختلف عليها أحد وهى تمثل فى الرؤيتين الدوافع الأصيلة مجهولة المصدر و التى تمثل المصالح الجوهرية للإنسان.
2 – فإذا نظرنا إلى نشاط ” الأنا ” وجدنا أنه يقابل نشاط البرامج الإشرافية . فالأنا هى المسئولة عن السلوك الإرادي للإنسان وهى توفق بين الغرائز وبين الواقع وكذلك فالبرامج الإشرافية هى المسئولة عن وضع البرامج السلوكية التنفيذية وهى تضعها بعد رصد بيانات الغرائز وبيانات الواقع .
وربما لو أن الكمبيوتر كان قد اخترع على عهد فرويد لما فاته ذلك التشابه الذى يكاد يكون تماثلاً بين نشاط ” الأنا ” وبين تصميم برامج الكمبيوتر !
3 – و” الأنا العليا ” من وجهة النظر الكمبيوترية هى برنامج سلوكى تنفيذى داخلى تصممه البرامج الإشرافية لتدفع الإرادة الواعية إلى انتهاج أسلوب فى الحياة ظاهره التضحية وباطنه تحقيق مصالح للإنسان لا يدركها الوعى.
فمثلا النهى عن السرقة يحرمنا من التمتع بما يمكن أن نسرقه لكنه فى نفس الوقت يمنع الآخرين من سرقتنا أما بالنسبة للوعى فالنهى عن السرقة سلوك نموذجى يستحق المدح فى حد ذاته بغض النظر عن فائدته. فالوعى بالنسبة للعملية السلوكية هو مجرد أداة.
لكن ما دور الآباء فى هذا المجال ؟ إن الآباء ( مثل غيرهم ) يتبعون هذه البرامج الجماعية ثم يأتى أبناؤهم فيقلدونهم من خلال برامج التقليد و التى من خلالها يقلد الإنسان المحيطين به ليصير جزء من بيئته
والأمر لا يقتصر على القدوة بل إن الآباء ينصحون أبناءهم باتباع مثل هذه البرامج الجماعية التى تصممها البرامج الإشرافية لأنهم يدركون من خلال وعيهم الخاضع لهذه البرامج أنها برامج نافعة بل إنهم قد يرغمون أبناءهم على اتباعها من خلال الثواب والعقاب.
والنظرية الثانية هى نظرية ” الشعور بالنقص” للعالم المعروف إدلر. فإن إدلر يرجع معظم النشاط السلوكى إلى الشعور بالنقص ومحاولة التغلب على هذا الشعور.
ومن وجهة النظر الكمبيوترية فإن السلوك الذى يهدف إلى التغلب على الشعور بالنقص هو نتيجة برنامج سلوكى قامت البرامج الإشرافية بتصميمه لاستعادة شعور الإنسان بكرامته إزاء الآخرين وإزاء نفسه.
والنظرية الثالثة هى ” اللاشعور الجمعى ” للعالم يونج. وهذه النظرية تقول بوجود موروثات لاشعورية جماعية متراكمة داخل عقولنا عبر الأجيال وتمتد هذه الموروثات إلى الإنسان الأول وتظهر فى الأحلام وفى بعض التصرفات التى لا نجد لها تفسيراً.
والبرامج الإشرافية عندما تشرع فى تصميم البرامج السلوكية فإنها تعمل من خلال البيانات DATA المتوفرة لديها.
ويمكننا أن نتصور أن جزء من هذه البيانات بيانات موروث جيلاً بعد جيل.
وبالطبع لا تنتقل كل البيانات بالوراثة من جيل إلى آخر لكن بعضها ينتقل قطعاً مثل الطباع العامة التى نجدها متوارثة فى منطقة جغرافية معينة.

والنظرية الرابعة هى النظرية ” السلوكية ” التى تحلل السلوك على انه مثير ( خارجى أو داخلى) تتبعه استجابة
مثير استجابة
وهذه النظرية تتجاهل ما بين المثير والاستجابة بدعوى أنه لا يمكن رصد ما بين المثير و الاستجابة رصداً علميا موثقاً.
لكن الإنسان ليس آلة تعمل بأزرار بحيث يستجيب لضغط كل زر منها استجابة معينة مسجلة فى الكتالوج الخاص بالآلة فبين المثير و الاستجابة يقع ذلك النشاط العقلى المعقد الذى يجعل التنبؤ بالاستجابة شبه مستحيل.
والرؤية الكمبيوترية تضع البرامج السلوكية بمستوياتها المختلفة بين المثير و الاستجابة و بالتالى فهى لا تتجاهل النشاط العقلى بل تحاول وضع تصور لهذا النشاط.
وبعد فقد كانت هذه جولة سريعة بين بعض أهم نظريات علم النفس وقد حاولنا إعادة فهم هذه النظريات من خلال الرؤية الكمبيوترية التى طرحتها علينا التكنولوجيا الحديثة .
ولعلنا لاحظنا أن الرؤية الكمبيوترية لم تهدم أى نظرية سابقة بل حاولت إعادة فهمها من خلال ما أملته علينا التكنولوجيا الحديثة من تصورات جديدة للنشاط العقلى.
فالرؤية الجديدة فى مجال العلوم الإنسانية – ولعلها فى كل العلوم – لا تهدم ما قبلها من نظريات لكن تحاول إعادة صياغته طبقاً لما تكشف للإنسان من معلومات جديدة عن ذلك العالم الغامض الذى يعيش فيه.

الفصل الرابع
المنظور الواعى والمنظور الإشرافى

أوردنا فى الفصول السابقة ما يجعلنا نفترض أن المخ حين يوجه السلوك يعمل و كأنه مبرمج ببرامج تشبه برامج الكمبيوتر.
و قلنا أن هذه البرامج يمكن تصور تقسيمها إلى:
1 – البرامج التحليلية:التى تحلل كل شئ حتى نفسها.
2- البرامج الإشرافية:التى تشرف على السلوك وتصمم البرامج التنفيذية للسلوك.
3 – البرامج التنفيذية: وهى التى تنتج السلوك مباشرة.
وقلنا أن الوعى لا يدرك شيئا عن البرامج الإشرافية بل يلاحظ فقط عمل البرامج التنفيذية، فالوعى هو واجهة العمل العقلى ،وهو يشبه فى هذا شاشة الكمبيوتر التى تظهر عليها نتائج عمل البرامج.
و سوف نطلق على منظور السلوك كما نلاحظه بوعينا
“المنظور الواعى”

كما سنطلق على منظور السلوك باعتباره مخرجا output ناتجا أساسا من عمل البرامج الإشرافية اسم
” المنظور الإشرافي”

وتفترض فكرة المنظور الإشرافي وجود جزء راق من العقل مستقل عن الوعى يمثل إذا صح التعبير القيادة العليا للظاهرة الإنسانية و يعمل فى اتجاه مصلحة الذات الإنسانية. و هو مبرمج ببرامج لا حدود لتنوعها و مرونتها تتقبل معطيات الواقع ، المباشرة منها و الرمزية input ، وتجهز المخرج output المناسب.
وهذا المخرج يتشكل فى صورته النهائية من خلال الوعى الذى ليس إلا أداة يهيمن عليها ذلك الجزء الراقى القيادى المستقل عن الوعى.
ومن خلال هذه الرؤية يوجد للسلوك كما قلنا منظوران:

المنظور الأول:
المنظور الواعى و هو المنظور المعتاد المألوف الذى يبرر السلوك و يصفه.

المنظور الثانى:
منظور البرامج الإشرافية التى توجه السلوك (المنظور الإشرافي) و هو الذى يوضح أهداف البرامج من وراء السلوك ، تلك الأهداف التى قد لا يفهمها الوعى أو حتى يدرى بوجودها.
والمنظور الإشرافي يدرك الواقع من خلال نفس القنوات التى يستخدمها الوعى لإدراك الواقع لكن كلا منهما يفهم من الواقع ما يناسب قدراته التحليلية فالمنظور الواعى يفهم الظواهر السطحية و المنظور الإشرافي يفهم التراكيب الرمزية المعقدة و كذلك فالمنظور الإشرافي يهيمن على المنظور الواعى أي أنه يوجد فوقه كقائد غير مرئى.

لكن لماذا نفترض وجود هذه القيادة العليا فوق المنظور الواعى؟

1 – هناك غالبا أهداف بعيدة للسلوك لا يدركها الوعى.
2 – يقول فرويد أن معظم وظائف الأنا لاشعورية و هو بهذا يشير لوجود جهة غير الوعى تساهم فى صياغة السلوك الواقعى الذى ينسب عادة إلى الوعى.
3 – توفق فرضية القيادة العليا بين مصادر السلوك التكوينية(التاريخية) و مصادره الدينامية (التفاعلية الحالية) و كذلك بين مصادره التحليلية و مصادره الكلية.
4 – تعرف المدرسة السلوكية السلوك كما يلى

منبه – متغيرات – استجابة

ورغم تعدد و تعقد المتغيرات بالنسبة لإدراك الوعى المحدود يأتى السلوك سلسا منظما هادفا ، و إذن فالوعى ليس هو المسئول عن الصورة النهائية للسلوك بل ربما كان هو نفسه – أي الوعى – أحد تلك المتغيرات.
و يترتب على فرضية المنظور الإشرافي:
أ – كشف أساليب جديدة لتفسير السلوك تتمثل فى استخراج المنظور الواعى و المنظور الإشرافي لكل سلوك.
ب – كشف النظام الرمزى المعقد الذى يعمل من خلاله سلوك الإنسان.

ولنحاول أن نتصور كيف يعمل المنظور الإشرافي ؟

تعيش الذات فى مجال الوعى، و يصل إليها من خلال الوعى ما يسرها و ما يؤلمها.
و يعى المنظور الإشرافي الواقع من خلال نفس قنوات رصد المنظور الواعى لكنه يفهم ذلك الواقع على مستواه التحليلى الرمزى الذى يفوق مستوى المنظور الواعى كما يعى رغبات الذات التى قد لا يدركها المنظور الواعى بوضوح و تحديد.
و هو يسخر القدرات الشخصية بما فيها المنظور الواعى نفسه للتأثير على الواقع ليحقق رغبات الذات.
و لنأخذ مثالا على ذلك : سلوك الاعتداد.
فالاعتداد بما يعنيه من تقريب الذقن من الصدر مع سحب الرأس لأعلى ، دلالته الرمزية لدى المنظور الإشرافي هى “طلب الاحترام” .
والدلالة الرمزية للسلوك هى مفتاح من أهم مفاتيح عمل المنظور الإشرافي.
والمنظور الواعى لا يدرك هذه الدلالة الرمزية بوضوح بل يصف ذلك السلوك بصفات مستمدة من الموقف فيصف الشخص الذى يفعل ذلك – أي تقريب ذقنه من صدره مع سحب رأسه لأعلى – بأنه معتد بنفسه. وهذا مجرد وصف للمظهر الخارجى للسلوك دون إدراك لمراميه الرمزية.
والمنظور الواعى يقبل الاعتداد من القوى و يرفضه من الضعيف فهو يرى المعتد الضعيف مثيرا للسخرية دون أن يفهم سبب ذلك.
أما المنظور الإشرافي فهو يدرك الدلالة الرمزية للسخرية وهى عدم التصديق مصحوبا بالتعالى.
و بإعلان عدم التصديق ينفى الإنسان عن نفسه شبهة عدم فهم الحقائق وشبهة احترام من لا يستحق الاحترام ، و هذه هى الدلالة الرمزية لذلك الإعلان.
والمعتد الضعيف هو ضعيف لضعفه الأصلي و ضعيف لإدراكه غير السليم لحقائق الموقف و كذا ضعيف لاتخاذه أسلوبا سلوكيا فاشلا، وهذه هى الدلالة الرمزية المركبة لضعفه.
و كل هذه الزوايا لا يدركها الوعى بالتفصيل بل هو يحكم حكما عاما سطحيا بأن هذا الشخص مضطرب و مضحك . أما المنظور الإشرافي فيدرك كل هذه النقط بدلالاتها الرمزية الدقيقة ثم يصوغ رد الفعل المناسب و يوحيه للمنظور الواعى لينفذه من خلال الوعى.
والوعى أيضا لا يلاحظ سلوكا مثل الاعتداد إلا عندما يكون متطرفا أما الاستخدام العادى للاعتداد فلا يلاحظه، بينما المنظور الإشرافي لا يغفل لحظة واحدة عن ملاحظة دلالات السلوك الرمزية بدقة بالغة .
و المنظور الإشرافي يتابع سلوك الآخرين و يحلل ما يحويه من دلالات رمزية و أيضا يصوغ سلوك صاحبه وفقا لنفس النظام الرمزى ليصير سلوكا مؤثرا على الآخرين فى اتجاه تحقيق مصلحة صاحبه.
فهو الذى يختار لك أن تعتد و يحدد درجة ذلك الاعتداد. و كلما صار موقفك الواقعى أقوى _ بالثروة أو النفوذ أو سوى ذلك- كلما اختار لك درجة من الاعتداد أعلى من سابقتها دون أن تلاحظ ذلك أو تعيه .
ونحن – أي الوعى – لا نراقب المنظور الإشرافي أثناء نشاطه لكن تحليل ردود الأفعال الإنسانية الرمزية – كالسخرية من المعتد الضعيف – ينبئ عن وجود جهة ما تتعامل مع ذلك النظام الرمزى و توجه السلوك بناء عليه.

الفصل الخامس
أمثلة

ناقشنا فى الفصل السابق أسلوب عمل البرامج الإشرافية أو المنظور الإشرافى وقدمنا بعض الأمثلة و فيما يلى سنسوق أمثلة أخرى لنوضح أسلوب عمل المنظور الإشرافي.

1 – الشفقة:
الشفقة عملية سلوكية معروفة ، و المنظور الواعى يمررها على أساس أنها نوع من “الإنسانية” أو ” الكمال الخلقى ” .
لكن هل نستطيع من خلال مفهوم المنظور الإشرافي أن نجد لها تفسيرا آخر ؟ سوف نحاول ذلك بعرض كل من المنظور الواعى و المنظور الإشرافي لهذه العملية السلوكية.
المنظور الواعى :
الفكرة : ضرورة مساعدة الضعيف لأن هذا من الإنسانية والنبل.
الشعور : الحنان على الضعيف.
السلوك : مساعدة الضعيف.
المنظور الإشرافي :
الفكرة : مساعدة الضعيف تؤدى إلى :
أن يسود مبدأ مساعدة الضعيف بحيث نجد من يساعدنا• عندما نضعف.
إثبات تفوقنا و قدرتنا على العطاء.•
إظهار ذلك أمام الناس مما• يصنع لنا سمعة حسنة.
التنفيذ :
تزيين فكرة الإنسانية و النبل للمنظور• الواعى.
تهيئة شعور الحنان على الضعيف.•
الخطوة التالية سوف يقوم بها• المنظور الواعى تلقائيا و هى السلوك الذى يحقق الفكرة و يرضى الشعور أى : مساعدة الضعيف.
و طبقا لهذا التحليل نجد أن المنظور الإشرافي يفكر و يخطط و ينفذ ، كما نلاحظ أنه بينما يتسم نشاط المنظور الواعى بمفاهيم غامضة مثل الإنسانية و النبل و كذا بعدم الترابط المنطقى ، يتسم نشاط المنظور الإشرافي بالموضوعية و الدقة. و نلاحظ أيضا كيف يستخدم المنظور الإشرافي المنظور الواعى كأداة لتحقيق أهدافه.

2 – تقارب ملابس الرجل و المرأة فى العصر الحديث:
تعلق المثال السابق بالسلوك الفردى ، و سوف يتعلق هذا المثال بالسلوك الجماعى و دور الرجل العام.
المنظور الواعى :
الفكرة :
نوع من التغيير أو التجديد.•
• استجابة “للموضة” الشائعة.
الملابس هكذا تصير أرق و أجمل.•
الشعور :
• الميل إلى ارتداء الأزياء الجديدة و الارتياح لها.
الشعور بالتوافق مع• المجتمع.
السلوك :
مسايرة الأزياء الجديدة التى يتقارب فيها زى الرجل من• زى المرأة.
المنظور الإشرافي :
الفكرة :
نتيجة لضعف سلطة الرجل على المرأة لم تعد هناك حاجة لتميز الرجل بملابس خشنة تشير إلى قوته و صلابته ، بل صار تقارب الملابس دلالة رمزية على الاشتراك فى القيادة و التعاون على نفس المستوى، بدلا من وضع الرئيس و المرؤوس.
التنفيذ :
يبدأ التنفيذ فى المنظور الإشرافي لمصمم• الأزياء ، فالمنظور الإشرافي للرجل العام لا يفكر لصاحبه فقط بل يعكس وجهة نظر المنظور الإشرافي لكل فرد من الجماهير و إلا فإن الرجل العام لا ينجح و لا يستجيب له الناس. و إذن يتجه مصمم الأزياء إلى تصميم هذه الملابس العصرية.
يتجاوب• المنظور الإشرافي لكل فرد من الجماهير مع تلك الأزياء فيقبلون على ارتدائها.
الشعور :
يهيئ المنظور الإشرافي شعورا بالارتياح العام لهذه التصميمات. فالمشاعر كما نرى وظيفية يستخدمها المنظور الإشرافي لتوجيه المنظور الواعى.
3 – إكرام الضيف عند البدو :
رأينا فى المثال السابق كيف أن المنظور الإشرافي قد يوجه الحياة العامة من خلال الرجل العام ، و الرجل العام قد يكون كاتبا أو فنانا أو سياسيا أو مصمم أزياء أو سوى ذلك.
لكن المنظور الإشرافي له طرق أخرى لتوجيه الحياة العامـة و ذلك مثلا بالمبادرة الفردية لأشخاص عاديين لانتهاج تقليد معين ثم شيوع و ثبوت هذا التقليد ، وهى الظاهرة المعروفة بالتقـاليد. وهذه الظاهرة من أعجب الظواهر السلوكية الجماعية فهى تبـدو وكأن هناك اتصالا لاسلكيا بين عقول الجماعة يحدد هذه التقـاليد و يلزم كل فرد باتباعها و طبعا لا يوجد مثل هذا الاتصال و لكن يوجد منظور إشرافي لدى كل فرد له نفس القدرات و تحكمه نفس القوانين.
و المثال الحالى يوضح دور المنظور الإشرافي فى صنع أحد التقاليد المشهورة ، و هو تقليد إكرام الضيف عند البدو.
المنظور الواعى :
الفكرة : الكرم أفضل من البخل.
الشعور : الشعور بالرضا و تقدير الذات نتيجة الكرم.

السلوك :
• ممارسة الكرم.
مدح و تقدير الكرماء.•

المنظور الإشرافي :
الفكرة :
حياة البدوى تعرضه لمواقف مفاجئة و ظروف شاقة فى الصحراء و كثيرا ما يحتاج للمعونة و النجدة ، و لذا فسيادة مبدأ إكرام الضيف سوف ينفعه يوما ما. فهو يروج لهذا المبـدأ و يمارسه بنفسه تحسبا للمستقبل ، و لكى يشعر بالأمن أثناء تجواله فى الصحراء.
التنفيذ :
الإيحاء للمنظور الواعى بفكرة الكرم كخلق حسن.•
• تهيئة شعور حب الكريم و بغض البخيل و الرضا عن النفس عند ممارسة الكرم .

من الأمثلة السابقة نجد أن المنظور الإشرافي عندما يتجه إلى تحقيق هدف سلوكى ما فإنه يقوم بالعمليات الأساسية التالية:

1 – يختار السلوك المناسب و يوحى به إلى المنظور الواعى الذى قد يظنه إلهاما أو ابتكارا أو اختيارا منطقيا.
2 – يهيئ حالة من القناعة العقلية لدى المنظور الواعى عن طريق إيجاد مبررات و مفاهيم مقنعة للمنظور الواعى.
3 – يهيئ الحالة الوجدانية المناسبة لتنفيذ السلوك أى أن المنظور الإشرافي يمارس نشاطه من خلال الأنظمة الذهنية و الشعورية العادية ، لكن من وراء ستار.
وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك بعض الاستجابات السلوكية التى يخططها و ينفذها المنظور الإشرافي دون أن يكون هناك دور للمنظور الواعى فيها ، و كل ما يفعله المنظور الواعى بالنسبة لهذه الاستجابات هو أن يلاحظها جزئيا و قد لا يلاحظها إطلاقا.
ومن هذه الاستجابات السلوكية عملية تغيير ملامح الوجه كى يعبر عن انفعالات الإنسان و مواقفه كجزء من عملية التأثير على الآخرين.

الفصل السادس
مفاهيم

فيما يلى سنعرض بعض المفاهيم المرتبطة بفكرة المنظور الإشرافي.
1 – قوانين السرور و الألم :
الألم و السرور يصبان نهائيا فى الذات فأنا الذى يتألم و أنا الذى يسر ، و الذات تسكن الجسد و يحيط بها الواقع المادى و الآخرون.
و الألم و السرور الماديان يصلان إلى الذات عن طريق الجسد

منبه طريق عصبى مركز المخ ألم أو سرور

و مركز المخ هو الذى يحدد ما يسر و ما يؤلم طبقا لقوانين مركبة فيه فدرجة حرارة معينة مثلا هى التى تمثل السخونة المؤلمة بالنسبة لشخص ما.
أما الألم و السرور النفسيان فقد يأتيان من سلوك الآخرين

سلوك الآخرين تفسير العقل لهذا السلوك ألم أو سرور

فمثلا إذا وجه لنا شخص الشتائم أثناء تمثيلنا لمسرحية فلن نغضب ، لأننا نعلم أن هذا تمثيل . بينما لو حدث ذلك فى ظروف الحياة العادية فإننا سوف نعتبرها إهانة و سنتألم منها.
والتألم من الإهانة ليست له طبيعة الألم الجسدى بل إنه يرتبط بطبيعة الذات فمن طبيعة الذات أنها تتألم لقلة قدرها إزاء الذوات الأخرى.
ونلاحظ أن رد الفعل النفسى للإهانة يختلف باختلاف الظروف ، فقد نغضب جدا إذا كان بإمكاننا الرد على من أهاننا و قد نكتفى بالحزن إذا لم يمكننا الرد. وفى الحالتين نكون مقتنعين بموقفنا.
و تفسير ذلك أن المنظور الإشرافي يختار لنا الانفعال المناسب لقدراتنا و للمواقف التى نواجهها.
و قد ينفذ المنظور الإشرافي هدفه من خلال منظور واع سطحى فيوحى للمنظور الواعى مثلا بفكرة التسامح و الصبر فى حالة تفوق من أهاننا فى حين أننا قد لا نتحمس لمثل هذه الفكرة فى حالة ضعف من أهاننا و تحل محلها فكرة ضرورة الرد على الإهانة. ولا يلاحظ المنظور الواعى الفرق بين الحالتين بل يظن أن كلا منهما أمر طبيعى.
ومن القوانين التى تحدد ما يسر الذات عن طريق الآخرين
• ندية الذات للذوات الأخرى أو تفوقها عليها.
وجود الذات بين ذوات أخرى تأتنس• بها.
تعرض الذات لعناية الذوات الأخرى بها.•
رغبة الذوات الأخرى فى بقاء• الذات معها.
و بالطبع فإننا إذا عكسنا هذه القوانين فسنجد أشياء تؤلم الذات مثل عدم المناددة و الإهمال و النبذ.
و هذه القوانين السابقة تحكم ما يحدث للذات من ألم أو سرور نفسيين نتيجة لتعرض الذات بصفتها الفردية لأحداث معينة من الذوات الأخرى.
و هناك قوانين تحكم ما يحدث من ألم و سرور نفسيين للذات نتيجة لتعرض الجماعة التى تنتمى إليها الذات من الجماعات الأخرى. و الذات يهمها ما يحدث للجماعة التى تنتمى إليها لأنه ينعكس عليها فكل ما يحدث للجماعة ينتسب تلقائيا لكل فرد فيها.
و مما يسر الذات بخصوص جماعتها إزاء الجماعات الأخرى المماثلة:
أن• تتفوق جماعتها على الجماعات الأخرى.
أن تكون النظم السائدة داخل الجماعة مؤدية• إلى مزيد من القوة و القدرة على تحقيق أهداف الجماعة.

و بعض قوانين السرور و الألم موروث و بعضه قد يكون مكتسبا عن طريق العادة مثلا.

2 – القوة :
القوة هى معنى مجرد يسر الذات امتلاكه و يعمل المنظور الإشرافي على تحقيقه لها و ذلك لأن القوة تحقق للإنسان التفوق و الأمن من العدوان و القدرة على الحصول على احتياجاته.
و يمكن تعريف القوة بأنها ” القدرة على التأثير على الواقع”.
والقوة تحكم كثيرا من قوانين السرور بالنسبة للذات إزاء الذوات الأخرى إذ أن الذات تسعى باستمرار إلى المناددة و التفوق على الذوات الأخرى و بالتالى تسعى إلى امتلاك القوة ، فالقوة هى مجال المناددة و التفوق بين الذوات. أى أن الذات لا تهتم فقط بأن تكون قوية بل تهتم بأن تكون أقوى.
و قد استخدم نيتشه فكرة القوة لكنه عممها كهدف نهائى وحيد للسلوك الإنسانى.
و من عناصر القوة:
القدرة• البدنية.
الخبرة العملية.•
الصمود العصبى.•
المال.•
العلم.•
• النفوذ.
القدرة على العطاء النفسى.•
الاستغناء عن الآخرين.•
القدرة• على جذب الجنس الآخر.

3 – القدرات الشخصية :
سبق لنا تعريف القدرات الشخصية بأنها الأدوات التى يملكها الإنسان و يمكنه بواسطتها التأثير على الواقع لكى يحقق لذاته السرور و يجنبها الألم طبقا للقوانين التى تحدد ذلك .
و الإنسان لكى يؤثر على الواقع المادى يستخدم عضلاته لتنفيذ القرار المناسب أما حين يحاول التأثير على غيره من الناس فإنه يلجأ إلى وسائل أخرى مثل الصوت و أسلوب الحديث و ملامح الوجه و إشارات الأيدى و العطاء النفسى و الإيلام النفسى و الإيحاء بالأفكار و التودد.
و يرجع نوع التأثير الذى تحاول الذات تحقيقه إلى نوع العلاقة بينها و بين الذوات التى تحاول التأثير عليها. فهناك علاقة قرابة الدم و علاقة الزواج و علاقة الصداقة و الحب بين الجنسين و علاقة التنافس و غير ذلك من العلاقات الإنسانية.
و المنظور الإشرافي هو الذى يلعب الدور الأساسى فى توجيه القدرات الشخصية أثناء تلك التفاعلات الإنسانية أو بمعنى آخر فهو الذى يقوم بإدارة العلاقات الإنسانية.

4 – الأساليب السلوكية :
لكل إنسان أساليب سلوكية يمارسها إزاء الأحداث و الأشخاص. فهناك شخص يهاجم بسرعة ، و آخر قد يتريث أو يتردد، و هناك شخص يميل إلى الاعتداد الشديد و آخر يميل إلى التواضع، وهكذا.
وهذه الأساليب يختارها المنظور الإشرافي للإنسان طبقا لقدراته الشخصية و للظروف المحيطة به. فهى أساليب انتقائية وظيفية قد يتم تثبيتها أو تغييرها إذا تغيرت القدرات الشخصية للإنسان أو الظروف الخارجية حوله.
وقد يحكم المنظور الإشرافي على القدرات الشخصية للإنسان مثلا بعد أن يخوض تجارب معينة ناجحة أو فاشلة.
فالمنظور الإشرافي يختار درجة الاعتداد – كما ذكرنا – طبقا لما يملكه الشخص من قدرات واقعية مثل الثروة أو النفوذ و ذلك لأن الدلالة الرمزية للاعتداد هى طلب الاحترام. و الدلالة الرمزية للاحترام هى أنه نوع أو درجة من الخوف. و بالتالى فإن الاعتداد يقتضى امتلاك نوع من القوة لأن القوة هى التى تسبب الخوف لما تعنيه من قدرة على الإيذاء.
و قد يقول شخص مثلا:” لكنى أحترم أستاذى فى الجامعة حتى بعد أن تخرجت و لم يعد له نفوذ على”. و الاحترام فى هذه الحالة هو رحمة ناتجة من الاعتراف بالفضل. أى أن الدلالات الرمزية قد تتعقد و تتداخل و لا تظل على صورتها الأساسية البسيطة.
والمنظور الإشرافي قد يختار للضعيف التواضع حتى يتفادى طلب الاحترام بغير قوة مما يعرضه للسخرية و حتى ينال التقدير لتواضعه.
وقد يختار المنظور الإشرافي لصاحبه نوعا من الانسحاب من بعض المواقف نتيجة لتعرضه للفشل فى مثل هذه المواقف.
والمنظور الواعى من ناحيته يعتاد على هذه الأساليب و لا يلاحظ وجودها بل يعتبرها رد فعل طبيعيا و لا ينتبه إليها إلا عند الخطأ البارز فى تطبيقها مثلما يحدث عندما يعتد الضعيف اعتدادا زائدا.

5 – الدلالات الرمزية للسلوك :
سبقت الإشارة فى أكثر من موضع إلى الدلالات الرمزية للسلوك و قلنا أن المنظور الإشرافي يعمل من خلال ما يحمله السلوك من الدلالات الرمزية.
و هذه الدلالات الرمزية قد لا يدركها المنظور الواعى اكتفاء بالفهم السطحى المباشر أما المنظور الإشرافي فهو يدركها بدقة و يتعامل بها كلغة مشتركة مع المنظور الإشرافي للآخرين.
و من هذه الدلالات الرمزية :
الاعتداد : طلب الاحترام.•
• الاحترام: نوع أو درجة من درجات الخوف.
السخرية:إعلان عن عدم تصديق الادعاء أو• رفض لموقف ما.
التواضع: إعلان عن مقاومة الرغبة فى إظهار التفوق.•
• التودد:إعلان عن الاستعداد لأداء خدمة لذات أخرى و هى غالبا تمهيدا لطلب خدمة أخرى.

و هذه الدلالات الرمزية كما ذكرنا تمثل اللغة التى يتعامل بها المنظور الإشرافي للإنسان مع المنظور الإشرافي الأخرى للآخرين.

6 – عمليات نفسية :
يقوم المنظور الإشرافي بإدارة ما يمكن تسميته العمليات النفسية لصالح الذات و ذلك مثل :
الانتماء الرمزى : يسعى الضعيف إلى الانتماء الرمزى إلى القوى• ليشاركه قوته و ذلك من خلال شئ يربطهما معا بحيث يتم الانتماء من خلال هذا الشئ المشترك و ذلك كالعمل أو الصداقة أو الإعجاب أو الحب.
الفصل الرمزى : و هى• عملية عكسية فالقوى يسعى لفصل نفسه عمن هو أضعف منه و ذلك مثلا بالابتعاد أو التبرؤ أو الانتماء إلى جهة لا ينتمى الضعيف إليها.
التعالى : و هو موقف تتخذه الذات• التى تحس بأن لها تفوقا ثابتا على الذوات الأخرى كحالة شخص من طبقة راقية إزاء أشخاص من طبقات أدنى. و هدف هذا الموقف إعلان ذلك التفوق للاستفادة من هذا الوضع لإسعاد الذات.

7 – دلالات الأحداث :
وكما أن سلوك الإنسان له دلالات رمزية فإن الأحداث التى تقع حول الذات – سواء كانت الذات طرفا فيها أو لم تكن – تكون لها دلالات رمزية يستنتجها المنظور الإشرافي و يحدد على أساسها موقف الذات مما يدور حولها.

و من أمثلة ذلك :
انتصار الذات على الذوات الأخرى فى مجال• ما يكون له دلالة تفوق هذه الذات.
ابتعاد الآخرين عن ذات ما قد يكون له دلالة• التعالى عليها أو الانفصال عنها أو الانسحاب من الصراع معها.
و المنظور الواعى قد يدرك شيئا من هذا وقد يفهمه بصورة صحيحة أو سطحية أما المنظور الإشرافي فهو يفهم هذه الدلالات بدقة و يوجه السلوك على أساس ذلك الفهم.

8 – العمل :
لقد وجد الإنسان نفسه دائما محتاجا للعمل. و من خلال ممارسة العمل تنمو القدرات الشخصية للإنسان و تتطور بصورة تساعده على أداء عمله.
والمنظور الإشرافي هو الذى يشرف على عملية تنمية القدرات الشخصية لتخدم أهداف العمل فقدرات صاحب العمل البدنى تختلف عن قدرات صاحب العمل الذهنى. و كذلك فمن يعمل فى مواجهة الجماهير غير من يعكف على مكتبه.

9 – التوافق النفسى :
هو اكتساب الذات لقدرات تمكنها من التأثير على الواقع بحيث تجعله محتملا أو مسعدا لها.
والخامة الإنسانية غنية بالاستعدادات ، و المنظور الإشرافي هو الذى يستخرج منها ما يلزم لظروف الواقع و يشرف على تنمية هذه الاستعدادات أو القدرات أى أن المنظور الإشرافي هو قائد عملية التوافق.

10 – الجماعة :
الجماعة إما أن تكون إجبارية نتيجة لظروف مشتركة لاإرادية كجماعة الأسرة أو الوطن ، وإما أن تكون اختيارية كجماعة الصداقة.
والإنسان يحتاج دائما إلى تكوين جماعات لتحقيق أهداف مشتركة بالتعاون مع الآخرين ولإرضاء نزعات لديه لا يحققها إلا أفراد آخرون من نفس نوعه. وكذا فالظاهرة الجماعية لصيقة بالظاهرة الفردية فى النوع الإنسانى.
لكن انتماء الفرد إلى جماعة لا يلغى ولا يوقف قوانين السرور و الألم الفطرية الخاصة بذاته ، بل إن الجماعة قد تكونت أصلا لإرضاء هذه القوانين.
والجماعة تتكون لتحقيق غرض ما وتنفض حين ينتهى ذلك الغرض أو حين تفشل فى تحقيقه.
والمنظور الإشرافي هو الذى يشرف على عملية تكوين و تنمية وفض الجماعات حتى لو كان للمنظور الواعى أحيانا دور ظاهر فى ذلك.
ففى جماعة الصداقة مثلا فإننا لا نختار أصدقاءنا بوعينا بل نجد أنفسنا نميل إليهم دون أن نعرف سببا لذلك. وهذا الميل يتم بإيعاز من المنظور الإشرافي.
و لكى تؤدى الجماعة دورها يجب أن يؤدى كل فرد فيها دورا خاصا به. و الذى يحدد و يخطط هذه الأدوار الفردية اللازمة لقيام الجماعة بدورها هو المنظور الإشرافي.
فالتقاليد التى تنشأ داخل جماعة ما لا يصنعها الناس بصورة واعية مسبقة بل تنشأ هكذا بينهم و يجدون أنفسهم يوقرونها.
والقانون الاجتماعى الذى اكتشفه ماركس مثلا وهو نشوء القوالب الثقافية و الاجتماعية من خلال ضرورات الإنتاج الاقتصادى ، يتم تنفيذه بواسطة قرارات يخططها و يصدرها المنظور الإشرافي. إذ أن الناس لا يعون علاقة مكتسباتهم الثقافية بطرق الإنتاج و لا يقررون شيئا من ذلك بوعى مسبق.

11 – أساليب سلوكية جماعية :
و كما أن المنظور الإشرافي يختار للفرد أساليب نفسية للتعامل مع الذوات الأخرى ، فهو يختار للجماعة أساليب سلوكية جماعية تساعدها على أداء دورها.
و من هذه الأساليب:
التقاليد :و هى قواعد سلوكية غير رسمية لكن• الخروج عنها يعرض الشخص للوم الجماعة.
العرف : وهو مجموعة من أحكام الثواب و• العقاب تتعارف عليها الجماعة و تتوارثها.
القانون : وفى المجتمعات المتطورة• يتحول ذلك العرف إلى قانون تضعه الهيئات التشريعية. ولكن حتى حين يتحول العرف إلى قانون مصنوع مباشرة و مدون بواسطة المنظور الواعى فإن المنظور الإشرافي يكون له دوره فى تحديد الأفعال التى يتم تجريمها، و تحديد العقوبات و اختيار وسائلها.
• الأخلاق : وهى نوع من السلوك يلقى الاحترام و الاستحسان من الجماعة. و المنظور الإشرافي هو الذى يختارها للجماعة لتجنب أنواع من السلوك ضارة بأداء الجماعة لدورها الذى تكونت من أجله. فمثلا نجد أن خلق عدم السرقة هدفه الشعور بالأمن فى المجتمع و ليس لأن فى السرقة فى حد ذاتها عيب ، بدليل أن مجتمع اللصوص نفسه يشيع فبه نوع من الأمانة فاللص عادة لا يسرق لصا مثله! فالأخلاق وظيفية وليست ذات طبيعة مطلقة. أما الأخلاق الدينية فمبررها المباشر هو طاعة الله ، وحتى هنا فالأخلاق سلوك وظيفى هدفه الثواب ، أما القيمة المطلقة فهى موجودة بالنسبة لله و ليس بالنسبة لنا.

12 – رموز سلوكية جماعية :
وكما أن هناك رموزا سلوكية فردية للذات تجاه الذوات الأخرى فهناك رموز سلوكية جماعية يصنعها المنظور الإشرافي لأفراد الجماعة للمساعدة على قيام الجماعة بدورها الذى تكونت من أجله.
ومن هذه الرموز السلوكية الجماعية :
الأزياء :فالأزياء المتحفظة مثلا تلازم عصور الثبات و الجمود ، بينما• الملابس المتحررة تلازم عصور التجديد و التطوير. و قد رأينا من قبل كيف أن تقارب ملابس الرجل و المرأة فى العصر الحديث يعكس ما حدث فى المجتمع من تقلص سلطة الرجل على المرأة.
تقبيل الأبناء ليد الأب : وقد كان هذا السلوك فى الأجيال السابقة• يناسب سلطة الأب حيث كان هو القائد الاقتصادى و الاجتماعى الأوحد للأسرة.

13 – الحضارة :
الحضارة هى اتجاه شعب – و هو نوع من الجماعات – لبذل الجهد و التفانى لتحقيق منجزات معينة و لتحقيق التفوق على بقية الشعوب فى نواح معينة.
فالحضارة من الناحية العملية هى تطبيق منهج متقدم فى الحياة و من ناحية الدوافع فهى نوع من التحمس. و لعلها لذلك لا تستمر إلى الأبد فى شعب ما فلابد أن تهبط فورة الحماس ليحل محلها الفتور و الملل ثم ينتقل الحماس لشعب آخر مقبل حديثا على التحضر فينقل منجزات الحضارة السابقة و يبنى فوقها ، لكن دورات الحضارة قد تستغرق مئات بل آلاف السنين.
و هذا الحماس الحضارى يقرره المنظور الإشرافي و يبثه فى نفوس أفراد الشعب حينما تتحدد منجزات واقعية يمكن أن يحققها الشعب وعندما تتوافر الإمكانيات العملية لتحقيق تلك المنجزات. فالمنظور الإشرافي لا يأمر إلا بما هو ممكن واقعيا.
و المنظور الإشرافي حين يمارس نشاطه قد يبدأ من الرجل العام كما ذكرنا من قبل، أو قد يبدأ من كل فرد على حدة فى نفس الوقت تقريبا أو على التوالى بحيث يلحق البعض بالبعض الآخر تجاوبا من المنظور الإشرافي لكل فرد مع المنظور الإشرافي لغيره من الأفراد فتتوحد فى النهاية القرارات و يبدو كأن هناك اتفاقية سرية بين الناس أو كأن هناك اتصالا لاسلكيا بين عقولهم.

14 – التطور الاجتماعى :
الإنسان هو الكائن الحى الوحيد الذى يتطور اجتماعيا ، فبقية الكائنات تكرر دورة حياتها و أسلوب معيشتها تقريبا جيلا بعد جيل أما الإنسان فكل جيل من أجياله يضيف شيئا و يجدد شيئا.
فكل جيل ينظر إلى الجيل السابق عليه و ينظر إلى الظروف الحالية التى تتطور بفعل منجزات العقل و تغير طرق الإنتاج و سوى ذلك ، ثم يتجه إلى التغيير و التجديد فى أساليب حياته.
و الذى يقود هذه التغيرات و يخططها هو المنظور الإشرافي. و حتى لو تمت أحيانا بدور واضح من المنظور الواعى فالأخير لن يدرك الهدف الدقيق من وراء عملية التغيير بل ستكون لديه مبررات سطحية ربما يصوغها له المنظور الإشرافي نفسه.
و من أمثلة تلك التطورات الاجتماعية :
إقلاع الجيل الجديد عن أسلوب سلوكى مارسه الجيل السابق مثل• انتهاء عادة تقبيل يد الأب.
الانقلابات العقيدية كالانتقال من الكلاسيكية إلى• الرومانسية فى العصور الوسطى فى أوروبا حيث أحس المنظور الإشرافي بالحاجة إلى الروح الرومانسية بعد أن استنفدت الكلاسيكية أغراضها.

15 – الفن :
يصنع الفنان من خلال فنه شيئين أساسين :
(1) يصنع جماليات جديدة تختلف عن الجماليات التى اعتاد الواقع أن يقدمها لنا فهو يصنع الجماليات المتفقة مع تطور الحياة أو يكتشفها ليقدمها لنا.
و يقوده فى ذلك تخطيط و إيحاء المنظور الإشرافي ، ذلك المصدر الذى لا ينضب معينه و لا تنفد حيله لتزويد الإنسان بالقرارات التى تساهم فى تطوير أساليب الحياة لمصلحة الذات.
(2) يصنع عالما جديدا مختلفا عن عالم الواقع و يصدق أو يحاول أن يصدق أن هذا العالم الجديد هو الواقع نفسه ، و يحاول دفع المتلقى لتصديق ذلك ليؤكد لنفسه هذا الوهم. فالعمل الفنى مهما كان واقعيا فإن فيه قدر من الخيال و حتى الصورة الفوتوغرافية الفنية يلتقطها المصور من زاوية معينة و فى لحظة معينة بحيث تعطى انطباعا غير تسجيلى للمشاهد.
وهذا العالم الذى يصنعه الفنان يكون أكثر ملاءمة لقدراته الواقعية و ميوله و آلامه و آماله و لذا فهو حين يصدق أنه عالم واقعى ويعيش فيه لفترة من الوقت فإن ذلك يخفف من توتره و قلقه و آلامه. و لذلك ينتج الفنان بحرارة بعد تعرضه للأزمات ، ويحس براحة بعد إنتاج فنه.
و الذى يحدد ملامح هذا العالم الجديد و مدى تحقيقه للغرض منه هو المنظور الإشرافي. ولعل ذلك الدور للمنظور الإشرافي فى الفن عموما ليس بمستغرب إذ لا يوجد فنان يدعى أنه يصل إلى ابتكاراته الفنية بتخطيط واع سابق. و حتى القدماء لم يخف عليهم وجود قوة خفية وراء الفن فكانوا يتحدثون عن شيطان الشعر.
أما الفنان المزيف فهو يقلد ابتكارات غيره من الفنانين الحقيقيين ، أى أنه يستخدم منظوره الواعى فى سرقة الابتكارات الفنية للمنظور الإشرافي للآخرين.

16 – الجمال :
يمكن تقسيم ظاهرة الإحساس بالجمال إلى :
(1) جمال حسى : و هذا الجمال تحكمه قوانين محددة مخزنة فى المخ. فبالنسبة إلى تناسق الألوان مثلا ، نجد أن هناك قواعد معينة إذا خالفتها جاء التجميع اللونى منفرا. و كذلك هناك قواعد لتناسق الأصوات و الأشكال.
(2) جمال نفسى : و هو الانطباع الذى يعطيه الشئ للنفس نتيجة لاتصافه بصفات تبهر النفس أو تثير تطلعاتها أو تستجيب لميولها أو غير ذلك. فمنظر شروق الشمس لا يعجبنا فيه فقط تناسق الألوان و تعددها ، بل أيضا ما يوحى به من مهابة و سمو و تجدد للحياة. و الزهرة لا يعجبنا فيها فقط ألوانها ، بل أيضا ما تحمله من حياة و بساطة و تجدد. ولذا فالأزهار الحية أكثر تأثيرا من الأزهار الصناعية مهما بلغت درجة إتقان الأخيرة.
و الجمال الذى نحسه فى الأعمال الفنية هو فى معظمه جمال نفسى من هذا النوع ، و إن كان على العمل الفنى أن يتمشى مع قواعد الجمال الحسى ، على الأقل لكى لا يكون منفرا. ويلاحظ تميز الجمال النفسى بالنسبية عكس الجمال الحسى الذى تحكمه قواعد شبه مطلقة.
و الذى يفهم الجمال النفسى و يترجمه للذات هو المنظور الإشرافي.

17 – الضمير :
الضمير هو تحذير داخلى بأن سلوكنا الحالى الذى يجلب لنا النفع قد يترتب عليه ألم فيما بعد. و طاعتنا لضميرنا تؤدى إلى راحة الأمن على المستقبل. فإذا كان الألم المتوقع سينتج مثلا من احتقار المجتمع لنا فإن تجنب الفعل المؤدى إليه يعطينا الأمن على وضعنا الاجتماعى.
لكننا مع ذلك و تحت ضغط الظروف كثيرا ما نخالف هذا الضمير محاولين أن نخفى ذلك عن الناس أو نبرره لهم أو لأنفسنا.
وهذه الممنوعات التى قد يترتب عليها الألم فى المستقبل قد تكون من الجماعة أو من الدين.
فإذا كانت من الجماعة فإن المنظور الإشرافي أصلا هو الذى يقررها للجماعة كما سبق بيانه. و هو نفسه الذى يحذر الأفراد من مخالفة هذه القواعد الجماعية و يدفعهم إلى معاقبة من يخرج عليها حرصا على مصلحة الجماعة. أى أن المنظور الإشرافي هو مصدر الضمير الاجتماعى و الغيرة الخلقية.
أما الضمير الدينى فمصدره الإيمان بالله و بالتالى الخوف من عقابه .
وبالنسبة إلى المنظور الواعى فهو يرى أن الضمير قوة داخلية ترشده إلى الصواب و يظن أن ذلك الصواب مطلق و محدد و منفصل عن الواقع.

18 – الأمراض النفسية :
قد يكون المرض النفسى أحيانا لونا من الهروب من الواقع أو نوعا من الحل غير الواقعى لمشكلة واقعية.
وهو بذلك قد يكون اختيارا يقرره المنظور الإشرافي للإنسان حين يعجز عن التخلص من ظروف واقعية تسبب ألما غير محتمل للذات.
فالمرض النفسى كهروب من الواقع المؤلم ربما كان حلا يائسا يلجأ إليه المنظور الإشرافي أخيرا كى يحمى الذات من ضعف القدرات الشخصية إزاء هجوم الواقع.


الفصل السابع
تفاعل ظاهرة الإنسان مع ظاهرة الواقع

سوف نعرض فى هذا الفصل رسما تخطيطيا (مرفق)يصور عملية تفاعل ظاهرة الإنسان مع ظاهرة الواقع استنادا إلى ما قدمناه فى الفصول السابقة
وفيما بلى بيان المصطلحات المستخدمة فى الرسم :

الذات:
هى جوهر الإنسان و مصدر شعوره بالأنا بمعناها الفلسفى ، وهى التى تشعر فى النهاية بالألم أو السرور. والذات أيضا هى مصدر الإرادة.

العقل:
هو الذى يعى الذات و يعى نفسه و يعى الواقع المحيط بالذات و ينقسم الى:
أ – المنظور الواعى : و هو المنظور القشرى الذى نعيش فى حدود وعيه الظاهرى المحدود و فهمه المباشر السطحى.
ب – المنظور الإشرافي: وهو جزء يعمل بعيدا عن الوعى. وهو يفكر و يخطط و يقرر و يختار و يدرك بعمق و شمول جميع رغبات الذات سواء الواعية منها أو غير الواعية ، و يدرك كذلك بعمق و شمول كل الظروف المحيطة بالذات و التى قد تؤثر على تحقيق تلك الرغبات.

النفس:
هى مجال المشاعر و الانفعالات.

الواقع:
هو كل ما يدركه العقل سواء خارج الإنسان أو داخله.

القدرات الشخصية:
هى مجموع الأدوات التى يملكها الإنسان و يمكنه بواسطتها أن يؤثر على الواقع ليحقق لذاته
السرور و يجنبها الألم.و تشمل القدرات البدنية و الذهنية و العصبية و سوى ذلك.

الخاتمة
الحارس

مما سبق نرى أن المنظور الإشرافي – أو مجموعة البرامج الإشرافية الموجهة للسلوك – هو الحارس الأمين على سعادة الذات.
حارس لا يمل ولا يكل و لا تنفد له حيل. و هو يحاول إسعاد الذات طبقا للقوانين التى تحدد لها ما يسرها و ما يؤلمها ، و طبقا لظروف الواقع المحيط بها ، و أيضا طبقا لقواعد الرموز السلوكية الفردية و الجماعية و دلالات الأحداث ، و غير ذلك من خصائص علاقة الذات بالواقع.
وهو يوجه الإنسان سواء عند انفراده أو عند تجمعه مع سواه ، و أثناء تطوره من جيل إلى جيل.
وهو يوجه أدق و أبسط تصرفات الإنسان ، كتحريك ملامح الوجه ، و يوجه أوسع و أشمل اختياراته ، كالحماس الحضارى.

إنه صانع الشخصية ، و صانع المجتمع ، وصانع الحضارة!!


عن الكاتب

فريق تحرير موقع آفاق علمية وتربوية

عدد المقالات : 270

تعليقات (4)

اكتب تعليق

© 2016 Powered By Wordpress, Theme By alsatary hosting

© 2013 alsatary hosting السطري للاستضافة

الصعود لأعلى